فنحن نرى مدى إمتزاج القواعد الخلقية بالقواعد الشرعية، وأثر ذلك في بناء صرح التكافل الاجتماعي، مما ينأى بفكرة (( الحق ) )عن معنى السلطة المطلقة الذي انحدر إلى التشريعات الغربية من القانون الروماني، كما ينأى بها عن معنى (( الأنانية الفردية ) )التي لا تتفق ومبدأ (( الايثار ) )و (( التعاون ) )و (( التراحم ) )و (( العفو ) )تلك الأنانية التي عانت منها التشريعات الوضعية قرونًا تحت تأثير أفكار فلسفية كانت صدى لاستبداد الحاكمين، وكان لعجز تلك التشريعات عن مواجهة أزمة التضارب بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة أثر في حمل فقهاء القانون في الشرق والغرب على إعادة النظر في الأساس الذي يقيمون عليه تشريعاتهم الجديدة، في ضوء هذه الأزمات التي أعجزت الفرديين عن حلها، فكانت هذه المذاهب الاجتماعية التي تتعاون فيما بينها تطرفًا واعتدالًا في تقييد الحق مما لا يتسع هذا المجال لبسط القول فيه، أقول هذا المعنى للحق وهو السلطة المطلقة التي تكمن وراءها الأنانية الفردية في استعمال الحقوق لا وجود له في الشريعة الإسلامية كما بينا المعنى الاجتماعي للحق في ضوء القيم الخلقية المبثوثة في الشريعة.
ومما يؤكد المعنى الاجتماعي للحق - في ضوء القيم الخلقية المبثوثة فيها - أنها لا ترغب - في نطاق المعاملات والحقوق الفردية بوجه عام - في المعاملة بالمثل، والمعادلة في الاقتضاء به بل تجعل ذلك أمرًا مباحًا لا حرج فيه ولا جناح، وبالتالي لا ثواب عليه ولا عقاب، بل رأيناها تحث على تجاوز العدل إلى الفضل والاحسان والتسامح،"ولا تنسوا الفضل بينكم"،"إن الله يأمر بالعدل والاحسان"فالشريعة - فيما يتعلق باستعمال الحقوق - تنهى عن التزيد في حق النفس - أي في اقتضاء الحق - وتحض على الزيادة في حق الغير - أي في قضاء الحق - كما أنها إذ تأمر الدائن بإنظار المدين المعسر، تندبه - في الوقت نفسه - إلى التصدق عليه بالدين، وإبرائه منه [11] .