بينا أن المعنى الديني والخلقي في الفقه الإسلامي لا ينفصل عن (( المعاملات ) )بل أن من الأصوليين من يجعل العفو عن المظالم، وإسقاط الحقوق مما يتسق مع قواعد الشريعة، ويعتبر تحريم العفو، والأخذ بالجزاء دائمًا أبعد عن القواعد [14] ، وواضح أن العفو - في الأصل - شيمة خلقية، وفضيلة نفسية، وهي عند علماء المسلمين أصل من أصول الشريعة يتصل بقواعدها، ولعل هذا العفو يتصل إتصالًا وثيقًا بالرحمة، والرحمة قد أنزلت الشريعة كلها من أجلها،"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"،"وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة"إلى آخر ما ورد في هذا المعنى من الآيات والأحاديث التي تفوق الحصر.
فإن قيل: إن هذا مزج للقواعد الشرعية بالقواعد الخلقية مع الفارق بينهما طبيعة وهدفا، قلنا إن هذا المزج ميزة الشريعة الإسلامية باعتبارها شريعة دينية لم تأت للتنظيم والتقنين وإقرار الجزاء الدينوي فحسب، بل جاءت للإصلاح والتكوين النفسي، وهو إصلاح جذري لا يغني عنه تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتحديد سلوك الأفراد في صورها المادية قبل الآخرين، وهذه الظاهرة هي التي تميز الشريعة الإسلامية عن غيرها من التشريعات الوضعية، وبهذا كان للشريعة منطق يختلف عن منطق القانون في التشريع.
[1] الهداية ج3 ص182 - تبين الحقائق ج5 ص146 - ص147 - البدائع للكاساني ج4 ص222.
[2] القوانين الفقهية لابن جزي ص352 - بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص155 وما بعدها.
[3] الموافقات للشاطبي ج2 ص322.
[4] وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
[5] الموافقات ج2 ص322 - وراجع مجلة الحضارة العدد السابق ص48.
[6] نفرق بين القاعدة الخلقية والفقهية فالأولى لا شأن للقضاء بترتيب جزاء على الإخلال بها إذا لم يمس ذلك مصلحة مشروعة للغير، أما الثانية فهي التي يترتب على الإخلال بها جزاء قضائي في مواجهة أثر هذا الإخلال على حق الغير.