9/ 2477 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة النبيل البصري المتقدم.
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) المتقدم.
(عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ الأَسْلَمِيَ أَبُو [1] مُسْلِمٍ) كنية سَلَمَةَ المتقدم رضي الله عنه.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
ص 32
وَسَلَّمَ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ) غزوة (خَيْبَرَ) سنة سبع.
(قَالَ: عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟) بإثبات ألف «ما» الاستفهامية مع دخول الجار عليها وهو قليل، والنيران: بكسر النون الأولى جمع نار والياء منقلبة عن واو. وللأَصِيلي: بحذف ألف ما الاستفهامية، ولأبي ذر: بفاء قبل القاف وحذف ألف مَا، وقد تقرر أنَّ ألف «ما» الاستفهامية تحذف خطًّا ولفظًا إذا جُرَّت بحرف من حروف الجر، نحو: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَ} [النازعات:43] ، {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:2] {فَبِمَ [2] رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ} [آل عمران:159] {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ:1] {مِمَّ خُلِقَ} [الطارق:5] ، وأنَّه إذا وقف عليها ألحقت هاء السكت في غير القرآن، وأنَّ «إلى» و «على» و «حتى» إذا اتصلَتْ بها «ما» الاستفهاميِّة كُتِبْنَ بالألف لوقوعها وسَطًا. قال ابن هشام: يجب حذف ألف «ما» الاستفهَامية إذا جُرَّت وإبقاء الفتحة دَليلًا عليها، وربما تبعت الفتحة الألف في الحذف، وهو مخصوص بالشعر، وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر. انتهى.
(قَالوُا) ولأبي ذر: (عَلَى الحُمُرِ) بضم المهملة والميم جمع حمار وهو الذَّكر، والأنثى أَتانٌ وحِمارةٌ
ص 33
بالهاء، ويجمع أيضًا على أحْمِرَة وحَمِيْر، ويقال: حمار أهليٌّ بالتنوين، وجعل أهلي وصْفًا.
(الإِنْسِيِّة) بكسر الهمزة وسكون النون نسبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحدُ إنسيٌّ، قال ابن الأثير: وفي كتاب أبي موسى ما يدل على أنَّ الهمزة مضمومةٌ فإنَّه قال: هي التي تأْلَفُ البيوتَ والإنسَ وهو ضد الوحشة، والمشهور في ضدِّ الوحشة الأُنسُ بالضَّم، وقد جاء فيْه الكسر قليلًا، قال: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون وليس بشيء.
قلت: إن أراد أنَّ الفتح غير معروف في الرواية فيجوز، وإن أراد أنَّه ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنَّه مصدر أنِسْتُ به آنسُ أنسًا وأنسَةً. انتهى.
وفي «التقريب» : الإنس خلاف الجن، والحمر الإِنسيِّة بالكسر وبفتحتين، وأنست بالشيء بالكسر ويثلث إِنسًا وأنسًا ضد توحشت. انتهى.
وثبت قوله: لأبي ذر وسقطت لغيره.
(قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اكْسِرُوهَا) بهمزة وصل مكسُورة في الابتداء محذوفة في الدرج أي القدور.
(وَأَهْرِقُوهَا) بفتح الهمزة وسكون الهاء، فعل أمر مِن أَهرق يُهرق، وأصله: أَريق يُرْيِق على وزن أكرم يكرم، ففيه زيادة
ص 34
الهاء بين الهمزة والراء السَّاكنة، وحذف عين الكلمَة وهي الياء بعد نقل حركتها إلى السَّاكن قبلها، ولأبي ذر: بحذف الهمزة وزيادة مثناة تحتية قبل القاف والهاء مفتوحة، فعْل أمر من هَريق يُهريق على وَزْن دَحْرَج يُدَحْرج، وأصله أريق يؤريق أبدلت الهمزة هاء، وفي نسخة هذه الثلاثيات عند البِرْماوي: قال: بفتح الهمزة وسكون الهاء بعدها مثناة تحتية من اهراقَ الماءَ إذا صبَّه، والمضارع منه يَهريق بفتح أوله لأنَّه خماسي الماضي، والمصدر اهرياق، قال: في تصريف هذه اللفظة مواضع مهمة أوضحتها في «جمع العدَّة لشرح العمدة» .
(قَالُوا) مستفهمين: (أَلاَ نُهَرِيقُهَا؟) بضم النون وفتح الهاء وبعد الراء المكسُورة تحتيةٌ ساكنةٌ، قال الإمام السبكي: في نهريق لغتان فتح الهاء وإسكانها والفتح أفصح وأشهر، وهو الذي سمعناه من ألسنةِ المحدثين، وصناعةُ النحو تقتضيه، وله تخريجات ثلاثة:
أحدها: أنَّه مضارع هراق المبدلة هاؤه من الهمزة، ولا يجوز
ص 35
على هذه اللغة إسكان الهاء ولا حذفها لأنَّها صارت بمنزلة دال يدحرج.
الثاني: أنَّه مضارع أراق، وأصله نؤريق بهمزة مفتوحة بعد حرف المضارعة، ثم أبدلت هذه الهمزة هاء مفتوحة.
الثالث: أنَّه مضارع اهراق المَزِيد فيها بعد همزته هاء مفتوحة، وأمَّا يهريق بإسكان الهاء على اللغة الأخرى فهو من اهراق الذي زيد فيه هاء ساكنة بعد الهمزة، وهي لغة قليلة نظيرها: اسطاع يُسطيع بقطع الهمزة وفتحها في الماضي وضم أول المضارع.
وقد ذكر الإمام السبكي في «فتاويه» هذه الكلمة ومَا صَارت إليه وكيفية النطق بها وبتصاريفها، فذكر فيها خمس لغات: أراق وهي الأصل، وهراق وهو فصيح كثير، واهْراق بسكون الهاء وبألف بعد الراء، واهْرق بإسكان الهاء من غير ألف بعد الراء، واهَراق بزيادة هاء مفتوحة بين الهمزة والراء من غير تعبير، قال: وجميع تصاريف هذه الكلمة يأتي فيها هذا الاستعمال، وأطال في بيان ذلك. وكذا البِرْماوي في كتاب الطهارة من «جمع العدَّة» .
(وَنَغْسِلُهَا) ولا نكسرها (قَالَ) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ص 36
مجيبًا لهم: (اِغْسِلُوُا) بحذف الضمير المنصوب أي اغسلوها، أي القدورَ، وإنَّما قال ذلك عليه السَّلام لاحتمال تغيُّر اجتهاده أَو أُوحيَ إليه بذلك، وقال ابن الجوزي: أراد التغليظ عليهم في طبخهم ما نُهِيَ عن أكله، فلما رأى إذعانهم اقتصرَ على غسل الأواني.
وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ دِنان الخمر لا سبيل إلى تطهيرها، فإنَّ الذي دخل القِدْر من الماء الذي طبخت فيه الحمُر نظيره، وإِذْنُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدلُّ على إمكان تطهيرها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم رباعيًّا عن أبي النَّضر عن أبي عاصم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاري عقب هذا الحديث: (كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) عبد الله بن عبد الله أيضًا ابن أويس بن مالك بن أبي عامر الأَصْبَحي _ بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره مهملة_، كان إسماعيل هذا ابن اخت مالك ابن أنس وسمع منه، وكان صدوقًا أخطأ في أحاديث من حفظه، من الطبقة العاشرة، مات سنة ست وعشرين ومائتين.
(يَقُولُ: الأَنْسِيَّة بِنَصْبِ الأَلِفِ وَالنُّون) قال في «الفتح» : تعبيره عن الهمزة بالألف
ص 37
وعن الفتح بالنصب جائز عند المتقدمين، وإن كان الاصطلاح أخيرًا على خلافه فلا يتبادر إلى إنكاره، وتعقَّبه العيني فقال: ليس هذا بمصطلح عند النُّحاة المتقدمين والمتأخرين أنَّهم يُعَبِّرون عن الهمزة بالألف وعن الفتح بالنصب، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان، فالهمزة ذاتُ حركة والألف مَدَّةٌ هوائيَّةٌ فلا تقبل الحركة، والفتح من ألقاب البناء، والنصب من ألقاب الإعراب وهذا مما لا يخفى على أحدٍ. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في «انتقاض الاعتراض» : ما زاد يعني على إنكار النقل وهو موجود، كأنَّه ينادي على نفسِه بقلِّة الاطلاع مع دَعواه الصَّريحَة بأنَّه في هذا لا يلحق. انتهى.
قلت: ولعله أشار بوجود النقل إلى ما نصَّ عليه الجوهري من أنَّ الألف على ضربين: ليِّنة ومتحركة، فاللينة تسمى ألفًا، والمتحركة تسمى همزة، فجَعْلُه الألف على ضربين دليل على جواز التعبير عن الهمزة بالألف، كالتعبير عن الإنسان بالحيوان، وأشار إلى ما هو مقرر في كتب العربية من أن الكوفيين يطلقون ألقاب الإعراب على البناء وبالعكس، قال في «الهمع» : والخلاف لفظيٌّ
ص 38
لأنَّه عائد إلى التسمية فقط. انتهى.
والمراد بحركات البناء الحركات الغير الإعرابية، كما ذكر الرضي، قال: فتشمل حركة أول الكلمة كضمة قاف قُفل، وعبارة الجعبري في «شرح الشاطبية» في باب الوقف على أواخر الكلم: إطلاق ألقاب البناء على الإعراب حقيقة لغوية مجاز اصطلاحي، وإطلاق ألقاب الإعراب على البناء مجاز اصطلاحي، وهو كثير في كتب قدماء النُّحاة لا سيَّما الكوفيُّون. انتهى.
[1] كذا في الأصل.
[2] كذا في المخطوط، وفي رسم المصحف بالألف: «فبما» .