10/ 2703 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك (الأَنْصَارِيُّ) البصري قاضيها ثمَّ وَلِيَ قضاء بغداد أيام الرشيد، ولد سنة ثمان عشرة ومائة وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين، قال في «التقريب» : ثقة من الطبقة التاسعة.
(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ الطَّوِيْلُ) هو أبو عبيدة حُمَيد بن أبي حُميدٍ _ بالتصغير فيهما _ الطويل البصري، اختلف في اسمه على نحو عشرة أقوال، من الطبقة الخامسة، ولد سنة ثمان وستين، ومات وهو قائم يصلي سنة
ص 39
اثنتين أو ثلاث وسبعين ومائة، قيل له الطويل لِقِصَره، وقال الأصمعي: رأيت حميدًا لم يكن طويلًا ولكن كان طويل اليدين.
(أَنَّ أَنَسًا رَضِي اللهُ عَنْهُ) هو أنسُ بن مالك بن النضر بن ضَمضَم _ بفتح المعجمتين _ الأَنْصَارِي الخزرجي خادمُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مناقبه كثيرة مشهُورة لا تُحصى، كنَّاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا حمزة _ بمهملة ثم زاي _ وتوفي سنة إحدى وتسعين وعمره مائة سنة وسنتان، وقيل غير ذلك.
(حَدَّثَهُمْ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر المثناة التحتية المشدَّدة آخرُه عين مهملة.
(وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة الأَنْصَارِيِّة عمَّة أنس بن مالك.
(كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) أي شابَّة لا رقيقةٍ؛ إذ لا قِصاصَ لها على الحُرَّة، ولم تُسمَّ، قال في «القاموس» : والثنيةُ من الأضراس الأَربعُ التي في مقدَّم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من أسفل.
(فَطَلَبُوا الأَرْشَ) أي طلبَ قومُ الرُبَيِّع مِن قوم الجارية أخذَ الأرش، فثَم مضاف محذوف.
(وطَلبُوا) منهم أيضًا (العَفْوَ) عن الرُبَيِّع، يعني قالوا: خذُوا الأرش أو اعفُوا عن الرُبَيِّع.
(فأبَوْا) أي امتنعَ قوم الجارية فلم يرضَوا بأخذ الأرش ولا
ص 40
بالعفو عنها (فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد تخاصَمُوا بين يديه.
(فأَمَرَهُمْ) ولأبي ذر: بحذف ضمير النصب (بِالقِصَاصِ) .
في هذا الحديث تفكيكُ الضمائر بإرجاع بعضها إلى غير ما يرجع إليه البعضُ الآخر للقَرِنية وفَهمِ المعنى المرادِ من السِّيَاقِ واللحاق، وذلك أنَّ ضمير الجمع في «طَلبُوا» وفي «فأمرهم» راجع لقوم الرُّبَيِّع، وفي «فأبوْا» لقوم الجارية، وفي «فأتوا» لقومهما جميعًا، وقد وقع نظير ذلك في التنزيل في غير ما موضع، نبَّه عليه محققو المفسِّرين فمن ذلك قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ} [التوبة 40] الآية، ذكر في «الإتقان» أنَّ فيها اثني عشر ضميرًا كلها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا ضمير {عَلَيهِ} فلصَاحبه كما نقله السُّهيلي عن الأكثرين، لأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تزل السكينة عليه، وضمير {سَكِينَتَهُ} المجرور بالإضافة، وضمير {جَعَلَ} المستتر كليهما جعل لله تعالى.
ومن ذلك قوله تعالى {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181] . قال ابن الكمال: الأول والثاني والرابع من الضمائر المذكورة راجع إلى الإيصاء الواقع من المحتضَر، والثالث
ص 41
منها راجع إلى التبديل أو إلى الإيصاء المبدل باعتبار وصفه. انتهى.
ومن ذلك قوله تعالى: {لِيؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ [1] بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح:9] ، الهاء في {يُسَبِّحُوهُ} لله تعالى، وأمَّا في {يُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ} فقيل لله أيضًا، واختاره الزمخشري لئلًا تختلف الضمائر، والجمهور على أنَّهما للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى هذا اختار كثير من القراء الوقفَ على قوله: {وَيُوَقِّرُوهُ} قاله الإمام السُبكي.
(فَقَالَ أَنَسُ) المُستَشهد يوم أُحُد، المُنْزل فيه: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب:23] وهو (ابْنُ النَّضْرِ) عم أنس بن مَالكٍ.
(أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لاَ وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) ببناء المضارعين للمفعُول، قال البيضاوي: لم يُرِد به الردَّ على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والإنكارَ لحكِمه، وإنَّما قاله توقعًا ورجاء من فضله تعالى أن يُرضي خصمَها ويُلقي في قلبه أن يعفوَ عنها ابتغاء مرضاته، وفي «شرح المشكاة» : «لا» في قوله: (لَا والَّذِي بَعَثَك) ليس ردًّا للحكم بل هو نفي لوقوعه، وقوله: (لَاَ تُكْسَرُ) إخبار عن عدم الوقوع، وذلك لما كان له عند الله من القُرب والزُلْفَى والثقةِ بفعل الله
ص 42
ولطفِه في حقه أنَّه يُجيبه بل يُلهمهم العفوَ، يدلُّ عليه قولهُ في رواية مسلم: (( لا والله لا يقتصُّ منها أبدًا ) )أو أنَّه لم يكن يعرف أنَّ كتابَ الِله القصاصَ على اليقين؛ بل ظنَّ التخيير لهم بين القصاصِ والدية، أو أراد الاستشفاعَ به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم.
(فَقَالَ) ولأبوي ذر والوقت والأَصِيلي: .
(يَا أَنَسُ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) برفعهما على الابتداء والخبر. والمعنى: حكم كتاب الله؛ على حذف المضاف، وأشار به إلى نحو قوله تعالى: {مَنِ اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] ، وقوله تعالى: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة:45] إنْ قلنا إنَّ شرع مَن قبلنا شَرْعٌ لنا ما لم يَرِدْ له نسخ في شرعنا، قال في «المصَابيح» كـ «التنقيح» : ويروى: «كتابَ الله» بالنصبِ على الإغراء، أي: عليكم كتابَ الله القصاصُ، بالرفع مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي القصاص واجبٌ أو مستحق أو نحو ذلك، وسيأتي مزيد لذلك في الحديث السَّادس [عشر] [2] . وفي نسخة: .
(فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا) عن الرُبَيِّع، قال في «الفتح» : ظاهره أنَّهم تركوا القصاصَ والأرش معًا، وقد أشار _ أي البخاري _ (زَادَ الفَزَارِيُّ) يعني ابنَ مُعاوية:
ص 43
(فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ) فأشار إلى الجمع بينهما بأنَّ قوله: (عَفَوْا) على أنَّهم عَفوا عن القصاص على قبولِ الأرش جمعًا بين الروايتين، وطريق الفزاري هذه وصلَها في تفسير سورة المائدة. انتهى.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) قال في «التقريب» : برِرت في القول واليمين بالكسر أبَر برورًا صدقتُ فيهما، وَقالَ الصَّغَاني: بَرَرْتُ والدي وبرَرْت قَسَمي بالفتح لغة في بررتُ بالكسر، وأبَرَّه أمضى يمينَه على البِرِّ وقضَى بمضمُونها فلا يُحَنِّثه، وقيل: معناه لو دَعَا اللهَ لأجابه. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه في التفسير والدِّيات بهذا الإسناد، فبهَذا الاعتبار يُعدُّ ثلاثةَ أحاديث، وقد أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجهْ.
[1] كذا في الأصل، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو من السبعة، وقرأ الباقون بالتاء في الأفعال الأربعة. ينظر: السبعة في القراءات (ص: 603) .
[2] ما بين معقوفتين ساقطة من الأصل.