الصفحة 13 من 22

المبحث السابع: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار

لقد أباح الشرع الإسلامي أكل المحرمات، وورد ذلك في القرآن الكريم كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [68] . ومن هذه الآية المباركة خرج الفقهاء بقاعدة كلية تقول: (( الضرورات تبيح المحظورات وأن الضرورة تقدر بقدرها ) ). والذي يتضح لي في هذا الموضوع أن الله تعالى الذي أباح أكل الميتة لتبقى الحياة لا يمنع من إباحة الاستدواء بها، فإن ضرورة الدواء كضرورة الغذاء تبيح المحظورات، ويزيد هذا القول قوة أن إباحة الأكل جازت خوفًا من الهلاك ومثله العلاج نستعمله خوفًا من الهلاك.

والفقهاء القدامى منعوا من الانتفاع بلحم الإنسان على بني جنسه [69] في أبواب الضرورة [70] لا أبواب الأطعمة. والضرورة في رأي الفقهاء تبيح التداوي بالمحرم إذا لم يوجد غيره من المباحات يقوم مقامه، وعليه فهل الضرورة تبيح استقطاع أجزاء من جسم الإنسان أو جثة كوسيلة لعلاج إنسان آخر ؟

يذهب الحنفية: إلى عدم جواز التداوي بعظم الآدمي أو أي جزء من أجزائه [71] ، بينما خالف في ذلك السرخسي وأجاز المداواة في العظم [72] .

ويذهب المالكية: إلى أن الضرورة لا تبرر الانتفاع بأجزاء آدمي غيره ولو كان ميتًا، وهذا يشمل عندهم غير معصوم الدم كالمرتد، لكرامة الإنسان التي تتعلق بإنسانيته بصرف النظر عن صفته، وهناك سبب آخر وهو الخوف من هلاك الحي بسبب ذلك [73] كما أن بعضهم يرى أن السبب تعبدي لا تدرك حكمته.

وأما الظاهرية: لا يجيزون الانتفاع بأجزاء الآدمي إلا اللبن وحده لوجود نص بإباحته [74] .

وأما الحنابلة: فهم لا يجيزون حتى للمضطر الانتفاع بأجزاء الآدمي ولو ميتًا متى كان معصوم الدم قبل موته [75] .

ومن تقدم يحرم هذا العمل حتى للضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت