فهرس الكتاب
إذ حسبوا أنه قال لهم ذلك في وجوههم ـ إنما القرآن يخبرنا بطريقة العرض الحيوي للوقائع أنه قال سلام وفي نفس الوقت قال ( في نفسه ) قوم منكرون ـ فجعلها جملة واحدة لأنها في لحظة واحدة ولو كانوا قد سمعوا منه هذه المقالة لأجابوه فورًا ( لا تخف إنا رسل ربك ) أو ( لا توجل ) . وهذه الإجابة تأخرت لما بعد دخولهم الدار وتقديم الطعام . فحينما قال لهم ( إنا منكم وجلون ) أجابوه فورًا ( لا توجل ) وهذه المقالة غير تلك ومختلفة عنها زمانًا خلال الحدث فالقرآن يفرّق أجزاء الحدث ولا يكرّره كما تدعي الإعتباطية عند دراستها ما تسميه بالتكرار .
المبحث الرابع عشر
تقديم الخبر على المبتدأ
يقدّم الاعتباط تأويلاته للنصوص على انها مسلّمات يتوجب أخذها بغير مناقشة. على أن مبادئ تلك التأويلات هي الاعتباط نفسه ، ذلك لأن هذا الاتجاه العام في الفكر لا ناقد له الاّ نفسه فكما أسلفت أن القصديّة ـ خصمه الوحيد ـ هي حالة فردية ومنعزلة . فالسلطان والصولجان والفكر والنشر والإعلان والحل والعقد هي جميعًا في يد الإعتباطية . فمثلا إن ( المعنى الذاتي ) للمفردة غائب دومًا ولا يظهر الاّ عند التركيب أي أن المعنى تابع للفظ دومًا ـ فهذا مبدأ اساسي في علم الّلغة الاعتباطي .
ويقوم الاعتباط بتأسيس هذه الفكرة المتناقضة ويبذل الجهد لجعلها حقيقة في فصل كامل أو فصول وهي المتعلقة بالدلالة ولكنه حينما يبتعد قليلًا وفي نفس الكتاب فيلتقي بالشواهد يتحول الى الفكرة المناقضة لهذا المبدأ كلما دعته حاجة التفسير الى ذلك . ففي موضوع تقديم الخبر قال الزملكاني بشان الشاهد ( داعٍ يناديه باسم الماء مبغومُ ) قال:
( أي بالماء ، فإذا ثبت أن اللفظ تبع المعنى وجب أن يقضى على( بنونا ) في قوله:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعدِ )