فهرس الكتاب
وبصفة عامة: فإنّ الفكر الاعتباطي يحاول تجنّب النظام القرآني ويفضّل الخوض في المجازات والاحتمالات . وحينما يبرّر هذه العملية فإنه يرد على نفسه ـ فالمبرر الذي تكرره الإعتباطية هو أن القرآن لا يعلم تأويله إلاّ الله . فهنا مناقشتان تصحّان لإسكاته . الأولى: إن التأويل المطلق لا يعلمه إلا الله ـ لأن الفاظ هذا النص مطلقة فلا يمنع ذلك من دخول التأويل الممكن معرفته والذي هو جزء من المطلق ، إذ لو كان المعنى لا يعلم أحد تأويله مطلقًا بأيِّ حدٍ من الحدود فإنزاله عبث وإذا كان يعلمه أفراد على الخصوص فلِم لا تتَّبع الاعتباطية أولئك الأفراد ؟
والثانية: إن تأويله ( أي حقيقة مطابقة معانيه لألفاظه ) إذا لم يكن ممكنًا فمن أجاز للاعتباط التصدّي لتأويله ؟! إذ السكوت أولى بها ! .
لكن الإعتباطية شأنها التناقض أبدًا في المبادئ والسلوك فوجود الأفراد القصديين القادرين على تأويله يمنعها من القيام بتأويله وبهذا الخصوص تقرّر أن لا أحد يعلم تأويله . وعند غيابهم تقرّر إمكانية تعديد الاحتمالات والوجوه لتأويله ، فأخذ القليل خير من ترك الكثير ! . لكن القليل من الاعتباط هو شر فما بالك بالكثير ! فالإعتباطية حصرت التأويل بنفسها وهذا هو المطلوب.
وحينما يقوم الأفراد بمتابعة تأويل الإعتباطية فإنما يقومون بمتابعة من هو ( مثل الحمار ) لأن ذلك هو المثل القرآني لمن يحمِّل الأمانة لشخوص لا يحملوها ( أمانةَ فَهْم النص الإلهي ) :
? مثل الذين حّمِّلوا التوراة ثم لمَْ يحملوها كمثلِ الحمارِ يحملُ أسفارا ? .
والتابع أدنى رتبة من المتبوع فيلزمه انطباق المثل عليه بصورة أشمل .
ومعلوم أن الاعتباط يحتال على هذا النص كما يحتال على غيره لانه يشعر أن النص يتحدث عن الاعتباط .