فهرس الكتاب
الأسباب الموضوعة لتقدّم الألفاظ على بعضها جعلتها الإعتباطيّة على صورة مسلّمات ودخلت كقواعد أساسية في البلاغة ، مع العلم المسبق أنها لا تفسر الاستعمالات اللغوية العامة فضلًا عن النصوص المميزة . ولم يكن شيء يصلح منها لتفسير ما يتكلم به عُوّام الناس فضلًا عن الأدباء ناهيك عن الاستعمال القرآني .
وسأذكر لك نماذج اعتباطية عديدة:
النموذج الاول: بشأن ترتيب الأعداد:
تدَّعي الاعتباطية أن ذلك خاضعٌ للرتبة فالواحدُ مقدّم على الاثنين والاثنين مقدم على الثلاثة وهكذا الأقل مقدَّم على الأكثر وتسوق لذلك شواهد من القرآن واللغة .
ولكنك تعلم أنك إذا وصفت بخيلًا فتقول: ( ... لا يعطي السائل عشرة دنانير بل لا يعطي دينارًا ولا دون ذلك ) .
فأنت بصدد البخيل تنزل بالأعداد مقدمًا الكثرة على القلة . والذي يفعل العكس يُعدُّ جاهلًا تمامًا . وهو أمرٌ يحسنه الأميون بإتقانٍ تامٍ ، لأنك حاشاك لو قلت ( لا يعطي دينارًا ) فمن الأولى أن لا يعطي عشرة دنانير .
ولكنك إذا قلت لأخيك المحتاج ( لا يهمك ..فأني أعطيك عشرة دنانير ومئة دينار بل أعطيك ألفًا ) فأنت ترتِّب الأعداد ترتيبًا تصاعديًا ـ وكذلك تفعل إذا وصفت كريمًا .
ومن هذا المثال البسيط تدرك جيدًا أن ( الألفاظ ) تمتلك قيمة بالمعنى كالأعداد وأنها تخضع في التقديم والتأخير لمغزى الكلام وغاياته فلا يحكمها قانون ( الرتبة ) ـ ومعنى ذلك أن الألفاظ كلها على هذا النحو وليس الأعداد فقط . ولكن الإعتباطيّة قسمّت الأمر الى أقسام ورتب في الأعداد والألفاظ .
والمثال الذي يؤكد لك ما ذكرته الآن هو أحدُ النصوص القرآنية الذي قدم وأخر في آنٍ واحدٍ بين لفظين في آيةٍ واحدةٍ هي قوله تعالى:
? وإذا رأوا تجارةً أو لهوًا انفضوا أليها وتركوك قائمًا قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ? الجمعة / 11