فهرس الكتاب
فالخطاب الموجّه لمريم (?) وهي امرأة ، أجاز لها الشرع أشياء لم يجزها للرجل وتسامح في عبادتها في مواضع عديدة معلومة ـ في مثل هذا الخطاب يتوجه الأمر من الحركة الأدنى الى الحركة الأعلى . مثلما تقول لإنسانٍ ما: ( تحرّك قليلًا ) ثم تقول: أمش ثم تقول: بل اركض إن قدرت ) ـ ولو بدأت بالركض أولًا لما كانت هناك فرصة لاستئناسه وتطمينه على موافقتك إذا اقتصر على المشي أو الحركة . فهذا الترتيب يمنحه العزيمة على فعل الأشياء كما رتّبتها له وهذا واضح . فالحركة بشأن مريم ( ع ) انتقلت من ( اقنتي ) حيث القنوت مناجاة لا تحتاج الى حركة الى ( اسجدي ) وهو أمر أعلى حركة وصرف للطاقة وانتقلت بعد ذلك الى ( اركعي ) وهو أعلاها حركة فقال ( مع الراكعين ) كي لا يفوتها الركوع الذي يفعله الرسل والأولياء فليس ثمة صلاة مفردة وصلاة جماعة ـ إنما هي معية لأمثالها من الأولياء في كلّ الأزمان .
أما الآيات الأخرى فهي بحركة معكوسة لاختلاف المخاطبين والموضوع .
الأمر الإلهي لإبراهيم وإسماعيل هو تطهير البيت ( وطهرا بيتي ) والسؤال المفترض الآن هو: لمن ؟ والجواب هو ( للطائفين ) ومعلوم أن الطائف ـ يطوف ويخرج فالحركة الآن تصاعدية: بل للقائمين أيضًا ! وهؤلاء زمنهم أطول والخدمة التي يحتاجونها أكبر ولا زالت الحركة تتصاعد ( والركّع السجود ) وهؤلاء بقاءهم أطول وخدمتهم أكثر فأعطى ( السجود ) دلالة وصفية ووصف به الركّع وذلك لإمكانية أن يقوم الركّع بالسجود وتجنّب ذكر طائفة رابعة وأوحى للركّع بضرورة السجود مثلما أوحى للقائمين بضرورة الركوع ومثلما أوحى للطائفين بضرورة القيام . فبالنسبة للزائرين كان الترتيب تنازليًا وبالنسبة للمأمور بالتطهير وهو مركز هذا الترتيب كان تصاعديًا ( إذا خدمت الطائفين فاخدم القائمين ) فكيف لا يخدم والعبادة تتصاعد ؟ ( وإذا خدمت القائمين فاخدم الركع السجود ) فكذلك يفعل .