فهرس الكتاب
وقد علمنا أن ( بل ) لا تنفي ما سبقها من أفعال وهي تظهر في المحاورات بخلاف ظهورها في الكلام المتصل من غير محاورة . بمعنى أن ( بل ) لا تتصدر الكلام مطلقًا ما لم يكن هناك كلام سابق من المحاوِر . والكلام السابق هو ? أَأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ? ؟
والجواب بل فعله كبيرهم . إذن فلفظ ( بل ) يبني عمله على ما سبقه وهو لا يلغي أو ينفي الاتهام إنما يضيف إليه فاعلًا آخر هو كبيرهم .
بيد أنه يضيفه بشرط موجود في العبارة وهو ? إنْ كانوا ينطقون ? ، والتي يكمن فيها الحل القصدي .
ومعلوم أن الاعتباط لا يرضى بهذا التخريج لأنه سيزعم أن جواب هذا الشرط هو ( فاسألوهم )
وهذا خطأ لأن إبراهيم (?) لا يعلِّق الأمر بسؤال الأصنام على الشرط ?إنْ كانوا ينطقون ?
وإنما يمكن أن يعلق الفعل المرتبط بهم فقط أي بالأصنام لا بالناس .
أي أن كبيرهم فعل هذا إن كانوا ينطقون وجملة ( فاسألوهم ) جملة معترضة .
كيف أوضح هذه المسالة الدقيقة ؟
إن إبراهيم (?) يعلم أنهم يعلمون أن الأصنام لا ينطقون . لذلك فلا يعلق السؤال على هذا الشرط . لأن السائل لا بد أن يسأل ناطقًا لا جامدًا يستحيل نطقه . وقد ظهر ذلك في عبارتهم لإبراهيم (?) : ? لقد علمتَ أنْ هؤلاء لا ينطقون ? ! فلا يعلق السؤال على النطق .
فلماذا ربط بين النطق والفعل ؟ من الواضح أنه (?) لا يأمرهم بشيء يدركونه جيدًا . أنه يثير فيهم تساؤلًا آخرًا ويوضح علاقة أخرى هي العلاقة بين ( الفعل والنطق ) .
وهو ليس كأي فعل فلو دخل حيوان كالعجل مثلًا وكسّر أحد الأصنام أو بعضها لما كان فعله مقصودًا . أما أن يجدوا الجميع تكسّروا الا كبيرَ الأصنام فهو فعل ينطوي على تخطيط من كائنٍ ذي عقل .
ومعلوم أن العاقل أو المخطّط للفعل هو ناطق بأيّة صورة .
ذلك لان الفعل المُخطّط له لا بد أن تتقدم عليه الفكرة المحمولة في اللغة فالنطق جزء لا يتجزأ من الفعل العقلي .