فهرس الكتاب
لقد رأيت في قوله تعالى ? فتبارك الله احسن الخالقين ? ـ رأيت كثرة الخالقين فلا تنافي بين نسبة الخلق الى المخلوق لتعدد الخالقين في النص القرآني ـ لا تنافي ولا تعارض بينه وبين وحدة خالق الأشياء كلها فالأمرين يقرهما النص القرآني نفسه وقوله تعالى ? الله خالق كلّ شيء ? ـ هو الذي يجنّب المتلقي من الوقوع في أي وهم من هذا النوع فأبت الاعتباطية الاّ التوهم ! .
لأن كلّ الخالقين مشمولين بالشيئية فهم أشياء وما خلقوه أشياء فقوله ? الله خالق كلّ شيء ? ـ يعني أنه خالق لهؤلاء الخالقين ممن هم سواه إذ هو أحسن الخالقين وخالق كلّ شيء .
فأين التعارض لتقول الإعتباطية أن ( تخلقون ) هنا بمعنى تكذبون ؟ وكيف تصح الجملة عند الأبدال بهذا اللفظ ؟ فهل يصح القول ( أنتم تكذبون إفكًا ) ؟ . فالإفك نفسه شيءٌ وهمي لاوجود له مرموز بشيء له وجود يخلقه الأفّاك .
ولم تلاحظ الإعتباطية في النص الآخر ? وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ? ـ لم تلاحظ أن المخاطب مخلوق وهو المسيح ( ? ) والطين الذي استعمله كمادة للخلق مخلوق أيضًا مع التحوط بعبارة ( بإذني ) المكررة مرتين: ? فيكون طيرًا بإذني ? .
لاحظ أن الحل القصدي يعتمد على الإحكام في ( النظام القرآني ) وثبات الدلالة اللفظية بينما الحل الاعتباطي يعتمد على إثارة التناقضات من خلال اعتباطية الدلالة ـ فهذه هي قيمة النظرية الاعتباطية بدءًا بالجرجاني وانتهاءًا بعلم اللغة المعاصر مرورًا بشيخ الاعتباط دي سوسر . وإني إذ أسوق هذه النماذج فإنما أذكِّر القارئ بحقيقة أن كلّ موضوع لغوي وكل لفظ وكل نص أدبي أو ديني أو روائي قد نال قسطه الأوفر من التعسف على أيدي الاعتباطيين فهذه الفصول نماذج جزئية ليدرك القارئ ما حصل للكل من أشباهها وهي جميع النصوص بلا استثناء ـ فعلم اللغة الحقيقي سوف ينبثق من الحل القَصّدي وحده .