فهرس الكتاب
وبناءًا على ذلك يرفض الحل القصدي رفضًا قاطعًا وجود ( مثلث ) مختلف العلامات متفق المعنى مثل: ( الجَذوة ، الجِذوة ، الجُذوة ) ـ بالفتح والكسر والضم على الترتيب .
حيث زعمت الاعتباطية في عشرات من تلك الألفاظ اتفاق المعنى فيها . فالحل القصدي لا يؤمن الاّ بالمثلث المختلف المعاني وهو قادر على تحديد تلك المعاني المختلفة على ما حدّده من قيمة مسبقة للأصوات والعلامات .
الثالثة: إن أكثر ما تذكره الاعتباطية من أمثلة على تطور الدلالة كان تغيّرًا واقعًا ضمن الحركة العامة للتعاقبات وليس خروجًا عليها . وقد ذكرت بهذا الصدد حقيقتين لمستهما من سلوك الاعتباطية: أما الأولى فهي أن الحس اللغوي عند العُوّام أكثر صوابًا ودقة من قوانين الاعتباط ـ لأن الاعتباط يفسر الأمر بالجزافية بينما الحس اللغوي متمسك بما يشعر أنه قيمة ذاتية في التعاقب . وامّا الحقيقة الثانية فهي أن الاعتباط يتوهم مرتين ، مرة حينما يتصور المعنى الذهني المتبادر إليه من استعمال واحد أنه هو الأصل في دلالة اللفظ ومرة أخرى حينما لا يتحرّى بصورة جديّة عن الاستعمالات المتنوعة للتعاقب تاريخيًا .
مثال ذلك زعمه أن ( hard ) كانت تستعمل لما هو صلب من المادة كالحجر والجوز ثم استعمل لما هو صلب معنويًا . لكن الأصل في ( الهاء ) فيه هو ( الحاء) ومصدره الأول التعاقب العربي ( حرد ) الذي يعني الخشونة والصلابة في كلّ شيء ـ فحركة التعاقب الداخلية تحدّد الاستعمال وفي هذا التعاقب لا تحديد بالماديات فقط ويكمن الوهم في عدم تقصّي الاستعمالات القديمة والاعتماد على الآثار المادية ومخلفات الأقوام التي ورد فيها استعمال جزئي وهو ما يخصّ الحجر والجوز .
و مثال آخر من اعتباط العرب:
قالوا أن ( المَلَّة ) بفتح الميم في الأصل هي الرماد الحار ثم قالوا: ( أكلنا ملّة ) ويعنون به نوع من الخبز يوضع على النار لا في التنور .