فهرس الكتاب
ذلك أن الجرجاني خرج من دائرة الصراع المذهبي الضيّق من الباب الخلفي الى دائرة الصراع الأممي محاولًا تأسيس البلاغة وعلم البيان وإظهار كنوز القرآن وأسراره وجمال الأدب عمومًا وفق مقاييس ومعايير لغوية وتركيبية لم يسبقه أحد في كشفها فأظهر محاسن اللغة وفرّق بين ما هو حسن وقبيح في استعمالها ووضع فكرة النظم القرآني وفسر سحر القرآن وجماله بكشفه عن استعاراته وكناياته ورموزه وإشاراته وأمثاله وتشبيهاته فاحبّه الجميع لهذا وأخذ عنه هذا الجميع . وإن كان تلامذته ومن جاء بعدهم قد انحرفوا قليلًا عن بعض تلك القواعد الاّ أنهم يعدّون عالّة عليه فما تعلّم أحد هذا الفن الا على يديه .
ولمّا كان المنهج اللفظي قد أنكر المجاز والاستعارة في كتاب الله كاشفًا عن النظام القرآني ، وخالف بذلك ما أجمعت عليه الأمة اللغوية كافة . وجاء بأمر جديد على بعض القلوب شديد ، فقد ارتأى بعض الأخوان اقتلاع الفساد من جذره أو اجتثاثه من أصله ، لإنهاك فرعه وبتر نسله وأبادة خيله ورجله وكشف حبائله ومكره وذلك بإخضاع هذين الكتابين لقواعد هذا المنهج ومحاكمتهما وفق النظام القرآني والمذهب القصدي للغة الذي خالف الاعتباطية من خلال تحديده قيمة مسبقة للأصوات والألفاظ .
فالجرجاني هو حقًا واضع هذا الفن ومؤسسه ويراه المنهج أول من أدخل كلام الخالق مع كلام المخلوقين في نفس العبارة وأشار إليهما بنفس الإشارة ووصمهما بنفس الكناية أو الاستعارة وأجرى عليهما معًا تقسيمه وشملهما بنفس القواعد لمحاسن الكلام وسقيمه حتى صار يخرج من الآية الى الشعر ومن قول الجاحظ الى الآية بلا حرج مذكور ، فانخدع بمكيدته علماء الأمة طوال العصور .
2.التأثيرات النفسية للجرجاني على القرّاء