فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 235

لا تحسب أخي القارئ أن الباحث في هذا المنهج محبًا للسجع من هذه المقدمة ! لكن جرى القلم بذلك ربما لأنه عاش لحظات وهو يتصفح بلاغة الجرجاني وأسلوبهُ في الكلام فأراد أن ينقلك الى تلك الأجواء . فتلك الأجواء كانت مشحونة بالكلام المنمق والألفاظ والتراكيب الشديدة الجرس الفارغة المعنى والمباراة بين أولئك المتحذلقين في فن النثر والكتابة ومنادمة الخلفاء أو الخطابة جارية في الحلبة على قدم وساق .

لكن الجرجاني تخلص من هذه التهمة بلباقة حينما قدّم لك ابتداءًا طبقًا من الألفاظ والاستعمالات الجوفاء في مقارنات جميلة لفتح شهيتك لقبول بلاغته خشية أن يغص النهم بتعبير قرآني: ( لا يأتي الجن والأنس ولو تظاهروا بمثله ) دسّه لك وسط صحن مليء بما لذّ وطاب من أصناف الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي وقد زيّنت حاشيته بألوان مختلفة من الأقوال المأثورة للسلف الصالح والطالح تتخللّه أقوال مأثورة لعهد ما قبل الصحابة ومطعّم بأحاديث نبوية .

وكان في الحسبان أن المرء إذا ازدرد مقطعًا من الآية القرآنية مع ما يزدرد وهو بعد لم يزل جائعًا وشرب عليه حديثًا نبويًا فمن المؤمل أن يزدرد في الوجبات اللاحقة أطباقًا من التراكيب القرآنية ولو كانت خالصة ، باعتبار أن الفم الذي يتذوق المجاز والاستعارة فانه لن يفرّق بعد للاعتياد عليهما بين ما يقوله الملك الضليل وما يقوله الملك الجليل ، إذا كان حكمهما في مطعم خان البلاغة واحدًا ، ووضعا في قائمة أسعار الأكلات البديعة سوية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت