فهرس الكتاب
فلم ينتبه هذا الرجل الى أن الفعل بني للمجهول ( حُمِّلوا ) ولم يبن على المعلوم إذ لم يقل ( حملوا ) . لان القلب القاسي لا يحمل العلم وإنما ( يُحّمل مرغمًا ) . وإذن فهم أكابر المحرّفين وساداتهم وليس المقصود حملة العلم منهم لأنهم ممدوحين في القرآن: ? والذين أوتوا العلم من قبله يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ? .
وقد أوضحناه في كتاب النظام القرآني مدعمًا بآيات عديدة .
ب . حقيقة الشبه
زعم أن التشبيه بين اليهود والحمار !
ولا يدري أن الله تعالى أجلّ وأعظم من أن يعقد مقارنة مباشرة بين الإنسان والحيوان .
فللذين ( حُمّلوا التوراة ) مَثَلٌ لا نعلم ما كان وللحمار يحمل أسفارا مثلٌ لا نعلم ما كان والشبه بين المثل الأول والمثل الثاني وليس بين اليهود والحمار !
وتلك لعمري هي البلاغة لا ما زعمه الجرجاني .
فلو قال ( الذين حملوا التوراة كالحمار يحمل أسفارا ) لأختل التشبيه وتهاوى برمته لأنه لا شبه بينهما مطلقًا فانتبه ، فان ذلك من آيات الله ، حيث فصلت كاف التشبيه بين المثل والمثل لا بينهما .
ج . معنى الحَمْل
وزعم أن الحَملْ غير مقصود وإنما تعدّي الحمل الى الأسفار هو الأساس في التشبيه !
وهو لا يرى أنه قال ( حًمّلوا ـ يَحملُ ) ـ للتأكيد على أن الأساس في التشبيه هو ( الإجبار ) على الحمل .. وإنما فرّق بينهما بالبناء للمجهول في الأول لأنه ( إنسان وله عقل وهو مسؤول عن ذلك ) وبنى الثاني للمعلوم لأنه ( بهيمة ) ـ فهو يحمل تلقائيا ـ فهنا مركز البلاغة ومركز التشبيه وليس التعدي الى الأسفار . لأنه لو قال يحمل أثقالًا ـ لبقى أساس التشبيه واختل جزء منه وحسب ولا يتهاوى كما لو قال ( كمثل الحمار لا يعقل ) ! فانتبه فان الحمل في كليهما هو ميزان التشبيه ـ وتعمّد هذه الآية بالذات لعظمتها عند الله في تفنيد الاعتباطية ـ كما أشارت إليه نصوص نبويّة جهل الناس مغزاها !