فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 235

لقد رأيت الآن ذلك الإطراء والتمجيد للشعر الأكثر كذبًا فليست العبرة في ما قلبه الشعر من موازين وعكس من أشياء ولا فيما افتعله من أباطيل ما دام في النهاية ينتشر كالدنانير فيفتق مسكه ويفوح أريجه !.

ها هو يحكم خلال السرد نفسه قبل الدخول في الموازنة المزعومة وقبل أن يأتي الى شرح المقولة المناقضة .. وهو تمهيد نفسي وتوطئة بقبول الحكم النهائي بترجيح مقولة خير الشعر أكذبه . ومعلوم أن ( الشعر ) كلام له أثر يترتب عليه كما يترتب على أي كلام وإذا كانت غاية الشعر وضع الكلام في نسق جميل ليحفظ ويدوّن ويدخل الأذن بلا استئذان فمن اقبح القبائح القول أن خير الشعر أكذبه ـ لقبح القول العام: خير الكلام أكذبه .. إذ لو صحّ هذا لصحّ ذاك .. فهل تظن أن مثل ذلك يخفى على الجرجاني أن ترى أنه يعي ما يقول لغاية في نفسه ؟ . فلنتابع أقواله في فقرات:

أ . الموازنة:

ثم جاء الى شرح المقولة المناقضة ( خير الشعر أصدقه ) فقال: يجوز أن يكون مراده ..

ومن أول مفردة يؤكد لك أسلوبه المريض الكامن في نفسه لأنه قال هناك: ( فهذا مراده ) وقال هنا: ( يجوز أن يكون مراده ) !

وهذا الاختلاف في الأسلوب يدلّ دلالة يقينية على صحة توقعك كون الرجل جاء بالموازنة لا لغرض الموازنة بل لغرض تثبيت المقولة الأولى والإجهاز على المقولة الثانية ! بحيث لا يذكرها ذاكر .

لم يمجّد المقولة الثانية إلاّ بكلامٍ أراد به تضعيف حجتهم وتوهينَ مقولتهم والتأكيد على أن الشعر لا يستحسن أن يكون كاذبًا بل يتوجب أن يكون كذلك !

ب . الحكم في الموازنة:

قال الجرجاني: ( والأول أولى لأنهما قولان متعارضان في اختيار نوعي الشعر فمن قال خيره أصدقه كان ترك الإغراق والمبالغة والتجوّز الى التحقيق والتصحيح أحب إليه وآثر عنده ـ لا عند الجرجاني ! ولا عند البلغاء ـ إذ كان ثمره أحلى وأثره أبقى وفائدته اظهر ، وحاصله أكثر ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت