فهرس الكتاب
وإذن فالشعر الصادق لا يربح ولا يفيد ! ولا ينَمو ولا يزيد . فما أكذب الجرجاني إذ قال ذلك ولو كان المقصودُ سوقَ البلاغة لا سوقَ الأفكار والمبادئ ولا سوقَ المعرفة والحقائق ولا سوقَ المشاعر والوجدان ولا سوق الآخرة والحساب ! ولا سوق المعاني والبيان ولا سوُقَ الأخلاق . ذلك لأن الصور المتركّبة من مفردات اللغة لا حدود لها ولا نهاية لأعدادها وفيها من الاتساع لإظهار طول الباع ما يفي ويفي للصادقين والكاذبين على حدٍّ سواء ، ولو شئنا أن نأتي لهذا الرجل من الصور التي ذكرها شعراء ( الصوفية ) فضلًا عن غيرهم ما تتضائل عنده بلاغة شواهده التافهة التي كان مبهورًا بها . لكن لا مدعاة لها بعد أصدق الكلام ـ كتاب الله .
على أن فلسفة الامر تأخذ منحىً آخر ، لان الكلام الأفضل بلاغة هو الكلام الأفضل قدرة على وصف الشيء بدقة والأكثر قدرة على رسم صورة له في الذهن اقرب ما تكون الى صفتهِ الحقيقية ! ولا يبقى للبلاغة أيُّ موضوعٍ حينما تُناقشَ المقولة الغريبة عن البلاغة من الأصل ـ اعني مقولة ( خير الشعر أكذبه ) ـ لأن البلاغة أخذت اسمها هذا من بلوغ الكلام المراد منه .
وإذا كان قصد القائل لهذا الشعار إعطاء مساحة لحركة الشعر في مجال التشبيهات فالأمر سيّان ، فان أبلغ التشبيهات هي التي ترسم صورة أدق للشبه من خلال المشبّه به ، وهذا يعني ( أنَّ الصدَّق أمرٌ ذاتيّ في نفسِ البلاغةِ وجزءٌ منها فلا بلاغةَ بغير صِدق ) .
في هذه الحالة يصبح الشعار شعارًا صحيحًا صيغ بصياغة لغوية كاذبة ويكون الشعار نفسه ليس بليغًا .
ألا ترى أن أسم البلاغة يدلّ عليها ؟ فإذا لم تبلغ بالكلام المراد الحقيقي منه ولن تبلغ السامع بهذا المراد فليست من البلاغة في شيء .