فهرس الكتاب
هل سمعت بفلسفة لغوية مثل فلسفة الاعتباط ! المتكلم يخاطب قومًا بطريقة حاضرة ويقول: ( بل أنتم قوم تجهلون ) والاعتباط يقول كان عليه أن يقول: ( بل أنتم قوم يجهلون ) ـ غير مدركين أن الياء ستحول الخطاب من الحاضر الى الغائب في التفات لا يصح مطلقًا في جملة خبرية كهذه . وهي مثل أن يقول المرء لصاحبه ( أنت يعلم أني أحبك ) !! ذلك لأن الوضع كله وضع خطاب ومجيء مفردة"قوم"لا يسمح بذلك .
ج . ( إذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم )
قالوا: الأصل جزاؤهم .
اعترفت الإعتباطية أن هذا ( العدول ) من الغائب ( جزاؤهم ) الى المخاطب من محاسن المجاز لأنهم لما كانوا تبعًا للمخاطب في المعصية جعلهم تبعًا في اللفظ ، لكن الإعتباطية توهمت فليس ثمة عدول عن لفظ أصلي بالغائب لأن الحال حال خطاب مباشر وحينما ذكر ( الأتباع ) ذكرهم خلال الخطاب ولو قال: ( جزاؤهم ) فهذا يعني أن إبليس ليس معهم !! . فهذا هو مقدار فهم الإعتباطية لّلغة ! .
إنما أبقى الخطاب مستمرًا وجمَع الكل فلم يقل له: ( جزاؤك ) فيخرج الأتباع أيضا ـ فالنظام القرآني يقرر دومًا صيغة واحدة لامحيص عنها . وبالتالي فلا عدول ولا مجاز .
د . ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون الاّ إبليس ) .
قالوا: عدَّه منهم بالاستثناء تغليبًا لكونه كان بينهم .
لم يعدَّه منهم بالاستثناء ـ لأننا رأينا أكثر من مرة أن المستثنى لا يشترط أن يكون من جنس المستثنى منه كما في قوله تعالى: ( ما كان استغفار إبراهيم .. ) الآية . وهو رأي القرافي أيضًا المتخصص بشؤون الاستثناء .
وأما الأمر بالسجود فقد شمله هذا الأمر لكونه بينهم لكنه ليس منهم لقوله تعالى في الموضع الآخر: ( الاّ إبليس كان من الجنّة ففسق عن أمر ربه ) . وهو ما في سورة الكهف .
فالاعتباطية لا تهتم لظهور ( الاختلاف ) في القرآن ، بل رأيت في ( مبحث التناقض ) أنها هي مصدر الترويج لهذا الاختلاف .