فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 235

إن الإعتباطية لا تحترم النص أبدًا ولا تنظر إليه على أنه مُلكِ المتكلم أو القائل بل تنظر إليه على أنه ( ملكها هي ) ـ وتلك في الحقيقة ليست مشكلة لغوية وإنما هي مشكلة فكرية وأخلاقية . ذلك لأن رجال الإعتباطية أنفسهم يرغب كلّ منهم أن يؤتيه الله ( دينًا ) على حسب مطالبه وهو يريد أن يختار في داخل ( الدين ) الواحد دينًا آخر يخصَّه وينسجم مع تطلعاته وقد عبَّر القرآن عن ذلك بالقول:

(بل يودّ كلّ امرئ منهم أن يؤتى صحفًا منشرة ) ... ... المدثر /52

ويخبرنا النظام القرآني ـ كما سوف ترى في مؤلفات لاحقة بإذنه تعالى أنه ليس من أحد يشك في الإله نفسه كما لا يشك أحد أن الله يرسل رسلًا وإنما أكثر الناس لا يؤمنون لسبب آخر هو الذاتية التي لا تتطابق مع متطلبات الإذعان للرسل والتسليم لأمرهم . فالحيلة الإنسانية حاولت التخلص من هذا الإشكال من خلال الجمع بين الأمرين: الإيمان بالرسل بشكل عام إذا اقتضت الضرورة وتفسير مقولاتهم وكتبهم بطريقه ذاتية . ولذلك فإننا نجد عند المقارنة أن الإعتباطية نفسها تحرص حرصًا شديدًا على المحافظة على نصوص بعضها البعض لحدِّ ضبط أخطاء النسّاخ بحرف أو حرفين وإطالة الكلام حول لفظ غامض في أحد السياقات . وحينما يعجبها تكثير ( قراءات ) النص القرآني الى أقصى حدٍّ فهي لا تتلاعب بالنص الإنساني ولا تقدم أو تؤخر أو تقدِّر في هذا النص ، بل الرجوع الى النص الشعري وضبط حروفه هو أحد الطرائق المستعملة عند نحاة البصرة والكوفة لإبطال قواعد بعضهم البعض كما هو الحال في شواهد كثيرة تلاحظها في كتب الخلاف . في حين أنها لا تتعامل مع النص القرآني بحذر كهذا ، بل تبحث عن قراءة شاذة أو سياق شاذ وتبتكر من نفسها قراءة معينة لتبرير الوجه النحوي . وما ذلك الاّ لأن القرآن هو الهدف النهائي من العملية اللغوية برمتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت