فهرس الكتاب
أما الكفر والإيمان فليس فيهما ذلك الاتجاه العقلي لأن مصدرهما الارادة الذاتية . فالذي يؤمن بالله ورسله وكتبه ولكنه في فقرة واحدة من مئات الفقرات يحاول التشريع فيها ومشاركة الإله على أي نحو كان لغويًا أو فقهيًا أو كلاميًا فقد كفر بتلك الفقرة من التشريع . وإذا بقي على هذا الحال فهو عند الله كافر لأن الله قد سنّ قاعدة ذكر فيها أن الكفر بالبعض كفر بالكل وجعل إبليس مثلًا لذلك حينما قام بتفسيرٍ خاصٍ وذاتي المنحى لعملية خلقه وخلق آدم ، في حين كانت غايته تحقيق ( وجوده الذاتي ) مقابل ( الوجود الذاتي ) للإله . قال تعالى:
( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض أولئك هم الكافرون حقا ) النساء /150.
فمثل هذا المخلوق يكشف عن طبيعته الخاصة من خلال تجربة ذاتية مع الأوامر الالهية .
وإذن فمعرفة الإله شيء وطاعته شيء آخر . فيظهر من ذلك أن الإيمان الفعلي لا يبدأ الا حين التخلص من تلك الذاتية . أي من لحظة التسليم والتي تعني الإقرار باللاشيئية والفناء . وهذا الفهم هو الذي حاولت الإعتباطية القضاء عليه .
ومن المعروف أن هذه العملية ليست عمديّة على مستوى الأفراد فردًا فردًا بصوره دائمة . فالاعتباطية وهي ( فكر عام ) وعقيدة معينة تجنِّد لنفسها أعدادًا كثيرةً تقوم بخدمة الفكرة بصورة غير واعية أحيانًا . وتقوم الإعتباطية بمداعبة اللاوعي والرغبات الكامنة في النفس لتحقيق ذاتها بخدعة كبيرة تؤمن بها مثلما يفعل الشيطان تمامًا . والناس ينجرفون في الفكر بطريقة أسهل وأسرع من الانجراف في السلوك الذي ينعكس عن الفكر ـ فالانجراف في الفكر هو البداية لكل سلوك خارجي يظهر على الساحة .