فهرس الكتاب
وحينما يقترح حلًا للمعضلة ويدافع عنه فالحلُّ هو باب لإدخال الإعتباطية وأساليبها . ففي هذا الكتاب وغيره ـ كما سوف ترى لاحقًا ـ تمَّ تبنّي فكرة ( النظم ) ـ اي أن الإعجاز هو في نظم كلامه لا في المفردات ولا عوارض الحركات أو المدلولات أو المجموع الكلي أو أمر خارج عن كلّ ذلك ـ وهي احتمالات حاول الزملكاني تفنيدها . وبعد ما أبطل كافة الوجوه لم يبق غير ( النظم ) أي الشكل النهائي لتركيب الجمل . والمتلقي في هذه اللحظة ينتظر من المؤلف أن يوِّضح له كيف يمكنه أن يفرق بين ماهو معجز وغير معجز من خلال النظم ؟ . وهذه لحظة حاسمة في الافتراق بين القصدية المفتعلة والاعتباط لأن الغاية الأولى هي إيصال المتلقي الى هذه النتيجة ، ومع أنه لمَّح له مرات عديدة قبل ذلك ما هو بمعنى ( إذا بلغنا تلك النتيجة فلا تسألني عن التفريق ) . فقد ينسى المتلقي ذلك إذا كان مشغوفًا بحبّ القرآن فعلًا ولذلك يحشر هنا قصة خيالية يفتعلها لتذكير القارئ بأن الأمر هو كذلك وهذه القصة هي:
( .. وحكي أن إعرابيًا حضر صلاة جماعة فقُدِّم فقرأ في الأولى:"ألا يامهلك الفيل ومن سار مع الفيل وكيد القوم في تب وتضليل بطير صبَّه الله على الفيل ابابيل ضحىً من طين سجيل فصار القوم في قاع كعصف ثمَّ مأكول". وقرأ في الثانية:"قد أفلح من هينم في صلاته وأطعم المسكين من مخلاته واجتنب الرجس وفعلاته بورك في بقره وشاته".ولم يشك الجَمعُ في أن ماقرأه سورتان من القرآن . ) 1
وهذا النص واضح في الإيحاء الى المتلقي أن المؤلف أو ( الاعرابي ) لو قال مثل هذا وأشباهه فان الناس لا تشك أنه من القرآن ومن ثم فإن التمييز بين المعجز وغيره ليس الاّ في النظم ولمّا كان نظم هذا الكلام حسن للغاية ويؤدي المعنى المطلوب فذلك هو الإعجاز .
وهدف الاعتباط من ذلك هو تعميم الاعجاز الى جميع ما هو حسن النظم كما ستلاحظه في كتاب ( اعجاز القرآن ) للجرجاني أيضًا .