فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 235

( إن الابهام يلقي في النفس تشوقًا الى ما هو المراد ويعظم لتكثير الموارد الوهمية ويعلقه الوهم معرضًا عن المذكور بما لم يذكر تعليقًا وهميًا من غير أن يخلّصه لمعنى ذهني أو خارجي فيرجع الذهن متقاصرًا عن إدراكه عاجزًا عن مرام صيده بشباكه وآيسًا عن اعتلاقه بإشراكه فعند ذلك يعظم شأنه ويعلو في النفس مكانه ) 1 .

إذن فالابهام الذي يتعمّده المتكلم لأجل أن يترك المتلقي معلّقًا بأمله في اصطياد المراد هو هدف بحدّ ذاته يعطي للمتكلم ميزة هي علو كلامه في نفس المتلقي . وهذه الفكرة كلها هي نقيض لفكرة ( الكتاب المبين ) .

وإذا رجعنا الى أنواع الألفاظ والتراكيب نجد أن هذه الصفة موجودة في ( الهذيان ) لأنه تراكيب مترابطة لا يفهم المتلقي المراد منها فلماذا يعدّها المتلقي هذيانًا ؟ .

إذن فالإعتباطية تعدّ الكلام الذي يوهم المتلقي هو الكلام الذي يعلو ، وبالتالي فما الكلام البليغ إلا ذاك الموهم والمبهم . ومعلوم أن النتيجة هذه تخالف تعريف البلاغة ، لأن البلاغة هي أن يبلِّغ المتكلِّم مراده من المعاني من خلال الكلام ، وتناقض كذلك أبحاث الدلالة اللفظية وغاياتها ، وهي نقيض للهدف من الّلغة وغاياتها . فالحركات الصورية أكثر إبهامًا وإيهامًا ويتوجب إذ ذاك ترك اللغة الصوتية لأجل علو تلك الحركات وما تفعله من شوقٍ في النفوس لمعرفة الحقيقة ، ( صم بكم عمي ) . وتلك هي فلسفة الإعتباطية وذلك هو مقدار حرصها على العقل البشري وتطوره والّلغة وغاياتها .

? ... الاستبداد والتعّنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت