فهرس الكتاب
[متن الكتاب] .
مطلب في الزهد في الدنيا:.
مطلب في الزهد في الدنيا:
وضده: الزهد فيها، بحيث لا يَجِدُ في قلبه حرارةً في طلبها، وتحصيلها، فالزهد: فراغ القلب من الدنيا، لا فراغ اليد منها. ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام: المعادن، والنبات، والحيوان، وقد جمعها اللَّه تعالى في قوله سبحانه: {زُيّنَ للناس حُبُّ الشهواتِ: من النّساء، والبنينَ، والقناطيرِ المقنطرة، من الذهب، والفضة، والخيل المُسَوّمة، والأنعام، والحرث، ذلك متاعُ الحياة الدنيا} (1) ، وهذه الأعيان لها مع العبد علاقتان: علاقةٌ مع القلب، وهو حبُّه لها، ويدخل في هذه العلاقة: جميعُ صفات القلب المعلقة بالدنيا - كالكِبر، والغِلّ، والحسد، والرياء، ونحوها - وعلاقته مع البدن، وهو: اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه، وحظوظ غيره، وهي: جملة الصناعات، والحِرف التي الخلقُ مشغولون بها، والخلق إنما نَسُوا أنفسهم ومآبهم، ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بالحب، وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف الإنسان نفسَه، وعرف ربه، وعرف حِكمة الدنيا، وسِرّها، علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا، لم تخلق إلا لِقوامة، ليتقوى بها على إصلاح دينه، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن، أقبل على اللَّه تعالى بكُنه همته، وبقي ملازمًا لسياسة الشهوات، ومراقبًا لها، حتى لا يجاوز حدودَ الورع، والتقوى. ولا يُعلُم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفِرقة الناجية، وهم الصحابة رضي اللَّه عنهم، فقد كانوا على المنهج القَصْد، والسبيل الواضح، فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدّين، وما كانوا يترهبون، ويهجرون الدنيا بالكلية، وما كان لهم في الأمور تفريط، ولا إفراط، بل كان أمرهم بين ذلك قَومًا، وذلك هو العدل، والوسط بين الطرفين، وهو احب الأمور إلى اللَّه تعالى (2) .
(1) سورة آل عمرا: 14.
(2) ط 1 - 534 - ط 2 - 38، 46 - 2 - غ 3 - 208 - .