3 ـ ذكرنا فيما سبق أن القوانين المنظمة لحق المؤلِّف المالي هي من ابتداع حكومة الثورة الفرنسية الغاشمة التي قامت على فكرة العلمانية وعزل الدين عن النظام ومع ذلك راعت حقوق الناس جميعًا في المؤلَّف لأنهم شركاء في انتاجه ، بل إن مشاركتهم فيه هي العنصر الغالب والأهم [ من حيث الحافز للمؤلِّف ، وإعداده ليكون أهلًا للتأليف ، وتوفير أدوات التأليف ووسائله: اللغة والفكر وطرق البحث ومراجعه .. الخ ] ، وإنما قام بالتعبير واللغة ليست من عنده ، ونوسل بالكتابة وهي ليست من ابتكاره ولا شيء من أدواتها ، وأغلب عناصر التفكير ـ إن لم تكن كلّها ـ حصل عليها المؤلِّف من مؤلِّفين سابقين لم يَطْلُب خَيرُهُم حقوقًا مالية لمؤلفاتهم ؛ لهذا لم تجعل القوانين حق المؤلِّف مطلقًا .
4 ـ في البيئة المسلمة توجد أسباب أخرى سبقت الإشارة إلى بعضها تمنع أن يُقَدَّر حقُّ المؤلِّف فوق قدره ، وفي المؤلفات الشرعية بخاصة حقوق لله تعالى فوق حقوق خلقه لا بدّ من حمايتها .
5 ـ ما لم يفصح المؤلِّف الشرعي عن إرادته: العاجلة من عمله أو إشراك حظ النفس مع الله فيه ؛ فإن مؤلَّفه يقع في الملكيّة العامة كالصدقة الجارية والوقف ، وإذا كانت القوانين لا تحمي المؤلِّف الواقع في الملكية العامة حتى لا تعوق الحمايةُ التَّقَدُّم الدنيوي ؛ فالأولى ألا يُحْمَى المؤلَّف الواقع في الملكية العامة مما يُقْصد منه ـ شرعًا ـ هداية الخلق وإظهار العلم المحرّم كتمانه ورضا الله وثوابه في الآخرة الباقية .
وبما أنه لا يجوز للمتصدق العَود في صدقته ولا يجوز للواقف الرُّجوع عن وقفه؛ فإن المؤلَّف الذي تقرّب به مؤلِّه له لا يجوز لمؤلِّفه الرجوع فيه [ ولا تحجيره ولا احتكاره ] فضلًا عن أنه يجوز ذلك لورثته .