وكما بدأ الشيطان أعظم فتنه ومكايده بتوجيه متبعية قبل بعثة نوح عليه السلام ـ إلى التقرب إلى الله بتقديس آثار الصالحين وتعظيم المقامات والمشاهد والمزارات والأنصاب التي بَنَوْها عليها طلبًا لرضا الله عنهم وشفاعة أوليائهم لهم عند الله كما قال الله تعالى عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، وقال تعالى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس: 18] وكما روى البخاري وابن جرير رحمهما الله في تفسير قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، وكان أعظم عبادتهم إياهم: دعاءهم والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: « الدّعاء هو العبادة » ، وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] .. وكما طوّر الشيطان أعظم فتنة ومَكايِده قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بتوجيه متبعيه من مشركي قريش إلى الانشغال بالعبادات القولية والفعلية الصالحة مثل الحج، والاستغفار ، وإخلاص الدين والدعاء لله وحده في الرّخاء ، وعمارة المسجد الحرام ، وسقاية الحاج ، والعبادات الفاسدة ـ مثل الصلاة مكاءً وتصدية ، والطواف بالبيت عراة، والتلبية بالشرك: ( لبيك لا شريك لك ، إلا شريكًا هو لك ، تملكه وما ملك) ـ ؛ الانشغال بذلك عن إفراد الله بالدعاء ، وتطهير العبادة من الشرك والابتداع ، وتطهير بيت الله من الأوثان وأوّلها آلهة قوم نوح التي نَقَلَها إلى مكة المباركة أحد أعوان الشيطان: (عمرو بن لَحيَّ) وهو يحسب أنه على الهدى كما قال الله عن أمثاله: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: 30] .