3 ـ ولأن الأمر ظنّي غير يقيني فلا داعي للمشاحة ولا الجدل فيه إذ هو أهون من ذلك ، ولا حرج في أن يكون لكلٍ فيه رأي فإن أعلى درجة يصلها مختص أو غير مختص في هذا الشأن لا يتجاوز الفراسة الجبلية أو المكتسبة ، ولا نعلم حقيقة ما في النفس والقلب وما يخفي الصدر إلا الله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} [الإسراء: 25] ، {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] ، « فهلا شققت عن قلبه » ، « قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن » .
ولكن الكاتب هدانا الله وإياه لم يلتزم أدب البحث ولا هو التزم شرع الله بالتثبت قبل الحكم ؛ بل تجاوز حدود اختصاصه النظري والعملي الظني إلى القول على الله بغير علم بتأويل ما جاء في كتاب لله من علم اليقين بما يلائم ظنّه وهواه مخالفًا تأويل الراسخين في العلم من المفسرين الأُوَل المعتد بهم وهم وحدهم من يجوز له تأويل كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وخيره بيان النبي صلى الله عليه وسلم للناس ما نُزِّل إليهم ، وفَهْم الصحابة رضوان الله عنهم للتنزيل وأشهرهم ابن عباس وابن مسعود ، وما نقله المفسرون من التابعين عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأوثقهم سعيد بن جبير ، وما جمعه المفسرون بالمأثور وأكملهم ابن جرير في القرن الثالث ثم ابن كثير في القرن الثامن الهجري . أما المفسرون بالرأي وقدوتهم: عبد الجبار بن أحمد الهمداني شيخ المعتزلة في القرن الرابع ، والشريف المرتضى الشيعي في القرن الرابع والخامس ، والزّمخشري المعتزلي في القرن الخامس والسادس ، وخلفُهم في هذا العصر: طنطاوي جوهري ومحمد متولي شعراوي وسيّد قطب تجاوز الله عنا وعنهم فلا تبرأ ذمة المسلم بتذليل الوحي اليقيني لأفهامهم الخطاءة « وكل ابن آدم خطاء » ، ولا تبرأ ذمّة المسلم ببناء فهمه لشرع الله وعبادته على ظنهم وأهوائهم .