فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 268

-وإنَّ علاقة المكان (الجغرافية) بالكتلة الاجتماعية، ليست علاقة أحادية الجانب. فالعروبيون لم يُطلقوا أسماءهم على الأمكنة التي توضعوا فيها فقط، بالمفهوم المطلق، بل أثّروا وتأثّروا، وأثْروا مخزونهم الحضاري بما كانوا يبدعون على كافة المستويات.

-إن اللهجات العروبية في مراحل تطورها الأفقية والشاقولية، بقيت متمحورة حول عمود رئيسٍ واحد فما لاحظناه مما سبق، يؤكد أن الكنعانية والمصرية والليبية وحتى الأتروسكية لم تفقد محورها الرئيس رغم حركيتها الجغرافية المتتابعة والواسعة. فالكنعانية التي امتدت من الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، ومن ثم امتدت إلى الجنوب اليماني، فساحل الخليج العربي، ثم بلاد الشام، ومن هناك إلى الشمال العروبي الافريقي وحتى سواحل البحر المتوسط الشمالية بقيت متمحورة مع الليبية التي امتدت في جنوب وادي النيل ثم إلى شماله في الدلتا، ثم إلى الصحراء العربية الكبرى وعادت بدورتها بعد الهجرة الليبية الكبرى إلى وادي النيل، وانتشرت إلى الضفة المقابلة من البحر المتوسط، مما دفع العلماء الغربيين إلى الانقسام بين من ردَّ اللغة الأتروسكية إلى الكنعانية وإلى قسم آخر ردَّها إلى الليبية، وذلك بسبب جهلهم بأن الكنعانية والليبية هما لهجتان للغة العروبية الواحدة. والاثنتان تتقاطعان مع المصرية التي لم تترك واقعها النسبي في جذور حراكها، لا في المراحل السابقة ما قبل تاريخية، ولا في حراكها في وادي النيل. مما أعطاها انطباعًا خاصًا بتقاطع كل صفاتها وخصائصها ومفرداتها ليس فقط مع اللهجات العروبية التي كانت متوضعة أفقيًا وشاقوليًا حينها وقبلها وبعدها، بل ومع اللغة العربية الفصحى المعاصرة (وهذا ما سنعود إليه في جداول لاحقة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت