فهرس الكتاب
وهكذا كانت البدايات الميثولوجية للنمو اللاحق للحلزون الثقافي، الذي سنأتي على تفصيلاته الدقيقة فيما يلي من فصول. لكن التأسيس الأوّلي والهام كان ارتكازًا متينًا على تكوين سباق ومتين. فالتزيين الجنائزي بالقرون ارتبط بعلاقة ذلك الانسان بالحركة الدورية للهلال.
ولم يكن اللون الأحمر إلاَّ الرمز البسيط عن القرابين التي تقدم للمتوفى بعد أن تنثر على جثته الورود والزهور وقد سجي شرقًا بانتظار الشمس التي تحمل معها الحياة والخصب.
"إن مفهوم القربان في ذلك الزمن، مرتبط بمفهوم الآلهة المشخصة، أو الكائنات الروحية المقدسة التي صارت إلى ما يشبه الآلهة، مثل أرواح الأسلاف لدى بعض الثقافات" (12) ..
انطلاقًا من ذلك كان الانبثاق الأولي في منطقة الشرق العربي باتجاه الثقافة المتواكبة التي سبق فيها أسلافنا العرب كل الشعوب والجماعات الأخرى حتى المحيطة والتي بدأت تأخذ انعكاسها في التقدم التقني المادي التقني.. وقد بدأوا يميزون عالمًا خاصًا محددًا مشخصًا في التكوين الوصفي المحيط بهم مع مايربطه بعالم آخر قابل للتخييل، يصل بينهما الحلم أو الموت.. ومن هنا أخذت الفلسفة في بدايتها الأولى تترنح في أولى خطاها على دروب الشرق العربي، الذي تميز في مراحل الانتقال من الباليوليث المتوسط إلى الأعلى بالتدجين النباتي والحيواني وهو ما دفع أيضًا هذا الشرق إلى السبق باتجاه الميزوليثية"فكان أول وأكثر الحضارات والثقافات الميزوليثية تطورًا توضّعت في الشرق العربي، حيث كانوا أول من اكتشف واستخدم الطواحين الحجرية وكان ذلك حوالي 10,500 سنة قبل الميلاد" (13) . وتلا ذلك الانتقال السباق إلى النيوليث كمرحلة أخيرة من العصر الحجري تميزت بانتقال البشر إلى الشكل المستقر للحياة"فمنذ الألف 8-7 قبل الميلاد أقيمت في الشرق العربي"مدن"محاطة بجدران حصينة (14) "