فهرس الكتاب
فمنذ بدايات العصر الثيولويتي في تل المريبط على الفرات الأوسط في سورية، وفي المواقع الأخرى الممثلة للمرحلة النطوفية"لدينا الدلائل الواضحة على تقديس الثور البري، وذلك في وسط قروي مستقر يتيهأ للاعتماد على الزراعة في اقتصاده. ففي بعض البيوت التي تتميز ببنية معمارية خاصة"تشير إلى إفرادها كمقامات مقدسة"أقيمت مصاطب طينية عرض في وسطها وبشكل مقصود عدد من جماجم الثيران البرية بهيئتها الطبيعية ودون إضافات تزيينية فنية، وتشكل هذه الجماجم مع ألواح كتف معزوزة بشكل أفقي، تكوينًا متماسكًا معروضًا للناظرين دفعة واحدة. وفي إحدى الحالات كان رأس الثور مفككًا إلى قطع معروضة في صفوف، إضافة إلى القرنين الكبيرين، اللذين تم عرضهما على التوازي. إن هذه الترتيبات المقصودة التي لاتنبى عن قيمة استعمالية معينة والاستخدام الرمزي لعناصر من الهيكل العظمي الحيواني، تعكس ولاشك مدلولات أيديولوجية معينة (22) متعددة الدوافع خصوصًا إذا عرفت بأن ذلك لم يكن حصرًا على الثور في منطقة تواجد فيها، بل في مناطق أخرى كانت الفصيلة البقرية نادرة فيها، وفي مناطق تدخل فيها الابل والغزال، لم يكن مصدرًا غذائيًا لندرته. لكننا وإن وقفنا مع جاك كوفان في تقديمه للعامل النفسي في تحديد الأرضية الميثولوجية لذلك الموقف الأيدلوجي الديني باتجاه خلق نوع من التحدي في علاقة التجاذب والجدل بين القوة والخوف، إلاَّ أننا لانستطيع رد المكونات الأولية لذلك المعتقد إلى ما هو خارج الأوضاع المادية والعلاقات الاقتصادية والطبقية المحيطة. وإلاَّ لكان من أهم المكتشفات وجود رموز لتمثلات غرائبية خارج القدرة التكوينية للتحليل والتركيب في الواقع القائم المحيط."
فلقد مثله الانسان بوضعية خاصة من القوة دفعته إلى تمثله من قبل إله الرعد والحرب في العصور التاريخية لما يملك من قدرة تدميرية جبارة تشع منه (23) .