فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 268

لكن ما يتّفق عليه الجميع هو الوحدة الحضارية المتكاملة للمنطقة العربية، بغض النظر عن الحركية الجولانية والتي تدخل هنا في عدد كبير من الاحتمالات، والتي لاتهم دراستنا بشيء، لكن مايهمنا هو ذلك التأسيس الواحد لبنية ثقافية واحدة على مساحة الوطن العربي، اكتفت في أحد جوانبها بالصقل الميثولوجي المتصاعد المتواصل، والذي لم يُعانِ من أيِّ انقطاع، انتقل من النماذج الأولى التي تحدثنا عنها، حيث كان الفرد جزءًا من جماعة يتفاعل مع عناصرها بإبداع الطفولة البشرية بمعناها الخلاّق وليس الساذج، بمعناها الترابطي التعاوني وليس الأناني العدواني، ذلك حين بدأ يميز الفروق المحسوسة بين الحلم والواقع، حيث بدأ يميز بين الحدث الواقعي والحدث الحلمي وما يعنيه ذلك من صفات خاصة تُداخلُ بين التخييل التركيبي والتحليل التخيلي. فاندفع يبحث عن قيمة الانسان كحالة مركزية ترسخت لاحقًا في البنى الفلسفية البسيطة بقيمها، وليس الساذجة. فاتكأ على علاقة الخصوبة بين المرأة القادرة على الانجاب والطبيعة القادرة على الخلق والتوالد، فقد عُثر في تل مريبط على رأس بشري منحوت من الحجر، ودمية امرأة من الطين هي الأولى من نوعها في العالم، حيث يظهر تقديس المرأة في هذا الوقت المبكر من التاريخ الانساني، كما تشير إلى نمط تفكير انسان ذلك العصر الذي ربط بين المرأة والطبيعة من حيث الخصوبة واستمرارية الوجود، فكان أول من عرف فن الرمز والتجريد. كما أثبتت حملة التنقيب والانقاذ الدولية لآثار بحيرة الأسد التي شملت مواقع حضارية على ضفتي الفرات في الجزيرة الشامية، وذلك في موقعي تل حبوبة وجبل عرودة أنَّ الإنسان في هذه المنطقة عرف الكتابة أيضًا بشكلها البدائي المبسط والذي تطور فيما بعد ليصبح الخط المسماري (31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت