الصفحة 11 من 52

ولما ظهر لجماعة من متأخّري المادّيين فساد ما تمسّك به أسلافهم، نبذوا آراءهم وأخذوا طريقًا جديدة، فقالوا: ليس من الممكن أن تكون المادّة العارية من الشعور، مصدرًا لهذا النظام المتقن، والهيئة البديعة والأشكال المعجبة، والصور الأنيقة، وغير ذلك ممّا خفي سرّه وظهر أثره، ولكن العلّة في نظام الكون عُلويّة وسُفليّة، والموجب لاختلاف الصور والمقدّر لأشكالها وأطوارها، وما يلزم لبقائها، تتركّب من ثلاثة أشياء: «متيير» ، و «فورس» ، و «انتليجانس» ؛ أي مادّة، وقوّة، وإدراك.

وظنّوا أنّ المادّة بما لها من القوّة، وما يلابسها من الإدراك، تجلّت وتتجلّى بهذه الأشكال والهيئات، وعندما تظهر بصورة الأجساد الحيّة - نباتيّة كانت أو حيوانيّة - تُراعي بما لابسها من الشعور، ما يلزم لبقاء الشخص وحفظ النوع، فتنشئ لها من الأعضاء والآلات ما يفي بأداء الوظائف الشخصيّة والنوعيّة، مع الالتفات إلى الأزمنة والأمكنة، والفصول السنويّة.

هذا أنفس ما وجدوا من حيلة لمذهبهم العاطل، بعد ما دخلوا ألف جُحْر، وخرجوا من ألف نفق، وما هو بأقرب إلى العقل من سائر أوهامهم، ولا هو بالمنطبق على سائر أحوالهم، فإنّهم يرون - كسائر المتأخّرين - أنّ الأجسام مركّبه من الأجزاء الديمقراطيسيّة، ولا ينطبق رأيهم الجديد في علّة النظام الكوني على رأيهم في تركيب الأجسام.

وذلك لأنه يلزم على القول بشعور المادّة، أن يكون لكلّ جزء ديمقراطيسيّ [1] شعور خاصّ، كما يلزم أن تكون له قوّة خاصّة ينفصل بها عن سائر الأجزاء؛ إذ لا يمكن قيام العَرَض الواحد - وحدة شخصيّة - بمحلّين، فلا يقوم علم واحد بجزءين ولا بأجزاء، وبعد هذا فإنّي أُسائلهم: كيف اطلّع كلّ جزء من أجزاء المادة - مع انفصالها - على مقاصد سائر الأجزاء؟ وبأيّة آلة أفهم كلٌّ منها باقيها ما ينويه من مطلبه؟ وأيّ برلمان «مجلس الشورى» ، أو أيّ سنات «مجلس الشيوخ» عقدت للتشاور في إبداع هذه المكوّنات العالية التركيب، البديعة التأليف؟! وأنّى لهذه الأجزاء أن تعلم - وهي في بيضة العصفور - ضرورة ظهورها في هيئة طير يأكل الحبوب، فمن الواجب أن يكون له منقار وحوصلة لحاجته في حياته إليها؟! وإذا كانت في بيض الشاهين والعقاب، فمن أين لها

(1) ديمقراطيس: فيلسوف يونانيّ (460 - 357 ق. م) ، اشتهر باسم الفيلسوف الضاحك، وإليه يسند أوّل قول: بأنّ حدوث العالم مصدره مجموعة ذرّات - لانهاية لعددها - تتحرّك تحرّكًا أبديًّا في فضاء لاحدّ له، وأنّ المادّة مجموعة ذرات، وأنّ كلّ شيء حدث عرضًا...!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت