الصفحة 12 من 52

العلم بأنها تقوم طيرًا يأكل اللحوم، فلا بدّ له من منسر ومخلب يصول بهما في الصيد؛ لاقتناص ما يحتاج إليه من حيوان، ثم ينسر لحمه ليأكله؟!

ومن أين لها أن تعلم، وهي في مشيمة الكلبة، أنّها ستكون على صورة أُنثى الجرو، ثمّ تكبر حتى تبلغ حدّ الإدراك، ثمّ تكون حبلى لوقت من الاوقات، وقد تلد جراء متعددة في زمن واحد، فهى تهيئ لطبيها [1] حلمات كثيرة على حسب حاجة جرائها؟!

ومن لهذه الأجزاء المتبدّدة أن تُدرك حاجة الحيوانات إلى القلب والرئة، والمخّ والمخيخ، وسائر الأعضاء والجوارح؟!

لو عقلت هذه الطائفة ما رمى إليه سؤالي هذا لارتكست [2] في أفكارها، وانقلبت إلى تيهور [3] من الحيرة، لا ترفع منه رأسًا، ولا تحير جوابًا، إلى أن يتخبّطهم شيطان الجهل، فيقولون ولا يعون: إنّ لكلّ جزء من هذه الأجزاء الديمقراطيسيّة، علمًا بجميع ما كان وما يكون، وبجميع ما في العالم من الأجزاء، عُلويًّا كان أو سفليًا، ولكلًّ منها حرص على مراعاة نظام الكون وأركانه، فيتحرّك كلّ منها للانضمام إلى الآخر، عل وفق ما يريده من المصلحة؛ حتى لا يقع الخلل في شيء من نظم العالم، عامًا كان أو خاصًّا، وبهذا قام العالم على ناموس واحد.

فإن أفضت بهم العماية إلى هذا القول قلنا:

أوّلًا: يلزمهم أنّ كلّ جزء ديمقراطيسيّ يحتوي على أبعاد غير متناهية، وهو في صغره لا يُدرَك ولا بالميكروسكوب «النظارة المعظمة» .

وبيان اللزوم: أنّ العلم عندهم، إنّما هو بارتسام الصور المعلومة في ذات العالم، وهو مادّيّ في موضوعنا، فكلّ صورة معلومة تأخذ منه بُعدًا بمقدارها، والصور العلميّة على هذا الزعم غير متناهية، وكلّها يرتسم في مادّة الجزء العالم، فيكون في كلّ جزء - وهو متناهٍ إلى غاية الصِّغر - أبعاد غير متناهية للصور غير المتناهية، وهذا ممّا تُبطله بداهة العقل.

ثانيًا: إن كانت الأجزاء الديمقراطيسيّة بالغة من العلم هذا المبلغ، وهي من القوّة على نحوه؛ إذ لا قوّة إلاّ بها على رأيهم، فلماذا لم تبلغ الكائنات وهي هي غاية ما يمكن لها من الكمال؟ ولِمَ تُنزل بذواتها الآلام والأوصاب، ثمّ تعاني العناء في احتمالها أو التخلّص

(1) الطُِّبْي - بكسر الطاء وضمّها - واحد الأطْباء، وهي حلمات الضرع، والضرع مَدَرّ اللبن، وهو كالثدي للإنسان، ولعلّ الأصل: «وهي تهيّئ لضرعها حلمات» ، وهو الصحيح.

(2) ركس الشيء: قلب أوّله على آخره، وأركسه نكسه، وارتكس المرء أو الشيء انتكس وارتبك، والتيهور: التيه الذي يضلّ فيه الإنسان على وزن «تنّور» .

(3) التَّيْهُور: ما اطْمَأَنَّ من الأَرض. قال الأَزهريُّ: هو فَيْعُولٌ مِن الوَهْر، قُلِبَت الواوُ تاءً، وأَصلُه وَيْهُورٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت