الصفحة 18 من 25

ثم قال أيضا (2) :

وفي قصة أبي بصير من الفوائد جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرًا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، ولأنه إذ ذاك كان محبوسًا بمكة، لكنه لما خشي أن المشرك يعيده إلى المشركين درأ عن نفسه بقتله، ودافع عن دينه بذلك ولم ينكر النبي قوله ذلك. وفيه أن من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية، وقد وقع عند ابن إسحاق"أن سهيل بن عمرو لما بلغه قتل العامري طالب بديته لأنه من رهطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك لأنه وفَّى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره. ولا على آل أبي بصير أيضا شيئ لأنه ليس على دينهم". وفيه أنه كان لا يرد على المشركين من جاء منهم إلا بطلب منهم، لأنهم لما طلبوا أبي بصير أول مرة أسلمه لهم، ولما حضر إليه ثانيًا لم يرسله لهم، بل لو أرسلوا إليه وهو عنده لأرسله، فلما خشي أبو بصير من ذلك نجا بنفسه. وفيه أن شرط الرد أن يكون الذي حضر من دار الشرك باقيًا في بلد الإمام، ولا يتناول من لم يكن تحت يد الإمام ولا متحيزًا إليه. واستنبط منه بعض المتأخرين أن بعض ملوك المسلمين مثلًا لو هادن بعض ملوك الشرك فغزاهم ملك آخر من المسلمين فقتلهم وغنم أموالهم جاز له ذلك، لأن عهد الذي هادنهم لم يتناول من لم يهادنهم، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم تكن هناك قرينة تعميم. أهـ.

ثانيًا: ما استنبطه ابن القيم من طائفة أبي بصير:

قال رحمه الله (1) :

1 -ولما صالحهم على رد الرجال كان يمكنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم، ولا يكرهه على العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالا، وقد فصل عن يده ولما يلحق بهم، لم ينكر عليه ذلك، ولم يضمنه لهم. أهـ.

وقال في موضع آخر من الزاد (2) :

2 -أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلمًا إلى غير بلد الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام، لا يجب عليه رده بدون الطلب، فإن النبي r لم يرد أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه على الرجوع، ولكن لما جاؤوا في طلبه، مكَّنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت