ولدى التأمل في الروايات الواردة في المنبر وأقوال العلماء فيها ترجح لدي أن يكون حديث عائشة رضي الله عنها على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنها الأصل في الكلام، ويكون اختلاف العلماء في تاريخ صنع المنبر منصب على المنبر المشهور الذي صنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الخشب، واستمر بعده حتى احتراقه عام 654هـ بينما حديث عائشة رضي الله عنها في منبر آخر صنعه الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك من طين. فقد ذكرت بعض كتب السِّير أن الصحابة بنوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - منبرًا من طين في بادئ الأمر.
قال في المذاهب اللدنية [1] : «وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السنة السابعة، وقال: وعن بعض أهل السير أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب» .
وقد عارض الحافظ ابن حجر هذه الرواية فقال [2] : «ويعكر عليه ماتقدَّم في الأحاديث الصحيحة من أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب» .
وكأن السمهودي لم يرض بهذا الاعتراض، فراح يلتمس التوفيق بين الروايات فقال [3] : «يحتمل أن المنبر المتخذ من الطين كان إلى جنب الجذع وكأنه كان بناءً مرتفعًا فقط، وليس له درج ومقعدة بحيث يكمل الارتفاق به، فلا ينافي ما تقدَّم في سبب اتخاذ المنبر من خشب» .
واستدل على ذلك بحادثة الإفك وقال [4] : «وهذه القصة متقدِّمة على اتخاذ المنبر من الخشب» .
وهذا الجمع بين الروايات في غاية الإحكام، ويؤيده ما ورد في بعض طرق حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين كان يجلس عليه...» الحديث [5] .
(2) فتح الباري 2/399.
(3) وفاء الوفا 2/118.
(4) المصدر السابق.
(5) سنن أبي داود 4/225، السنن الكبرى للنسائي 3/442.