وتفيد روايات أخرى أن السبب في صنع المنبر يعود إلى كِبَر سنِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - والمشقة التي يعانيها بسبب كثرة قيامه خطيبًا أو معلمًا، فقد روى البيهقي [1] من طريق أبي عاصم عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن نافع عن ابن عمر أن تميمًا الداري قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أسنَّ وثقل: (( ألا نتخذ لك منبرًا يحمل عظامك، قال: بلى... ) )الحديث.
قال الحافظ ابن حجر [2] : وإسناده جيد، ورواه أبو داود [3] مختصرًا، وفيه «لما بَدَّن» [4] .
ولا يبعد كون المنبر قد صنع لأجل السببين معًا ويكون كلّ صحابي قد عبَّر بما رآه.
بل لا يَبعُد أن يكون السبب الأول خاصًا في صنع المنبر الطيني؛ لأنه صنع في السنوات الأولى حيث كان الناس بحاجة إلى أن يروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بشكل واضح حتى يتعلموا منه أمور دينهم، والسبب الثاني خاصًا في صنع المنبر الخشبي؛ لأنه صنع في السنوات الأخيرة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لما ثقل عليه كثرة القيام، وإليه الإشارة بقوله في حديث ابن عمر المتقدم:"لما أسنَّ وثقل". والله أعلم.
تبين لنا فيما سبق أن المصادر التاريخية لم تفصل القول في المنبر الطيني الذي صنعه الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في بادئ الأمر؛ لسهولة صنعه وبساطته، ولكونه لا يعدوا أن يكون مجرد دَكّة مرتفعة بنيت بالطين واللبن.
(1) السنن الكبرى للبيهقي 3/195 - 196.
(2) فتح الباري 2/398.
(3) سنن أبي داود 1/284.
(4) أي: كثر لحمه. وقال أبو عبيد: بدن الرجل -بفتح الدال المشددة - تبدينًا إذا أسنَّ، ومن رواه بدُن - بضم الدال المخففة - فليس له معنىً هنا لأن معناه كثر لحمه. انظر شرح صحيح مسلم للنووي 1/268، وفتح الباري 2/398.