الصفحة 39 من 73

وقد جزم المطري [1] أن المراد بالأسطوان المخلَّق في رواية أبي هريرة المتقدمة؛ هو أسطوانة السيدة عائشة رضي الله عنها، واعتبر السمهودي قول ابن زبالة [2] : «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى إليها المكتوبة بضعة عشر يومًا بعد أن حُوِّلَت القِبْلَة، ثم تقدَّم إلى مصلاَّه الذي وجاه المحراب» ؛ قرينة لما ذهب إليه المطري في تنزيل الوصف بالمخلَّقة في رواية أبي هريرة - المتقدمة - عليها، لكنه عاد فنقل عن العلماء ما يؤكِّد أن المراد بالأسطوان المخلَّق عند الإطلاق هو الذي بقرب المحراب الذي استقرَّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أخيرًا، وصار علمًا على المصلَّى الشريف، أما أسطوانة السيدة عائشة فإنها وإن كان يطلق عليها اسم المخلَّقة؛ إلا أن ذلك ليس عند الإطلاق، وقال السمهودي [3] : «لم أر ما سبق عن المطري من وصف أسطوانة عائشة بالمخلَّقة لغيره، وتبعه عليه مَنْ بَعْدَه حتى صار هو المشهور، والظاهر أن المخَلَّقة حيث أُطلِقت فإنما يراد بها التي هي عَلَمٌ على المصلَّى الشريف، فقد قال مالك: «أحب مواضع التنفل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصلاه؛ حيث العمود المخلق» .

إلا أن كثيرًا من الباحثين والمؤرخين [4] حملوا الأسطوان المُخَلَّق في الرواية التي نقلها ابن زبالة عن أبي هريرة على أسطوانة السيدة عائشة؛ فجاء تحديدهم للمحراب الذي كان يصلِّي فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس مخالفًا لما ذهب إليه السمهودي، وسوف يتضح عند الحديث على الأسطوانات أن ما ذهب إليه السمهودي [5] - رحمه الله- فيه نظر والله أعلم.

(1) التعريف بما أَنْسَت الهجرة ص 88.

(2) أخبار المدينة ص 86.

(3) الخلاصة 2/35 - 36.

(4) منهم المطري في التعريف ص 88، والمراغي في تحقيق النصرة 91 - 92.

(5) وتبعه في ذلك البرزنجي في نزهة الناظرين ص 143، والشنقيطي في الدر الثمين ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت