وبعد أن صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أسطوانة عائشة رضي الله عنها بضعة عشر يومًا، تقدَّم إلى مصلاَّه الأخير الذي استقرَّ عليه، والذي يقع بالقرب من الأسطوانة المعروفة بالمخلّقة، بينه وبين المنبر الشريف أربعة عشر ذراعًا وشبرًا [1] ، وبينه وبين جدار الحجرة الشريفة ثمانية وثلاثين ذراعًا [2] ، وبينه وبين جدار القِبْلَة ممر الشاة [3] . وهذا هو المحراب الثالث من محاريب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ولم يكن لهذا المحراب في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بناء يُميِّزه عن سائر أجزاء المسجد، وإنّما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يداوم الوقوف في هذا المكان يؤمُّ المسلمين حتى وفاته، ويجعل جدار المسجد النبوي سترة له [4] .
(1) أخبار المدينة لابن زبالة ص 83، وفاء الوفا 2/93.
(2) وفاء الوفا 2/94.
(3) وفاء الوفا 2/99.
(4) اختلفوا في مقدار المسافة التي كانت بين مقامه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة وبين الجدار، فقد روى البخاري في صحيحه1/188 عن سهل بن سعد قال: (كان بين مصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار ممرّ الشاة) . قال ابن بطال: «هذا أقلّ ما يكون بين المصلِّي وسترته» ، وقيل: أقلُّ ذلك ثلاثة أذرع لحديث بلال في الصحيح: (أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع) ، وجمع الداوودي: بأن أقلّه ممر الشاة، وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم: بأن الأول في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري 1/575. قال السمهودي: «ويلزمه التأخر عن موقفه الأول عندهما - كما قدمناه - وهو متعيّن؛ إذ لا يتأتى السجود في أقلّ من ثلاثة أذرع، ولهذا كان حريم المصلي الذي يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع عندنا» . وفاء الوفا 2/100.