وبهذا وغيره أؤكِّد أن المحراب المجوّف الذي بناه عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - في عمارة الوليد؛ إنما بناه في المقام الذي كان الإمام يقف فيه في ذلك الوقت، والذي هو مقام ذي النورين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وأما مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فظلّ على حاله إلى عهد ابن النجار، فقد ذكر أنه غيِّرت هيئته بجعل المصلَّى شبه حفير أو حوض صغير منخفض عن موقف المأمومين نحو ذراع بسبب ترخيمه وتكاثر الرَّمل المفروش به الروضة [1] .
فكأنهم لما فرشوا الروضة بالرِّمال أرادوا أن يحافظوا على المستوى الذي كان عليه المصلَّى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرخموه فظلّ مكانه أخفض من بقية الروضة، ويرجح السمهودي أن حدوث انخفاض المصلَّى الشريف بما حوله تجدَّد بعد الحريق الأول [2] ، وهذا ما يفهم من كلام ابن النجار كما تقدَّم [3] .
واستمرّت هذه الحفرة أو الحوض التي هي علامة على محراب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زمن السمهودي رحمه الله، إلا أن نسبة انخفاضها عما حولها من الروضة ازدادت فقد قال السمهودي: «وهو الآن شبه حوض مربَّع ينزل إليه بدرجة، طوله ذراعان ونصف وثمن، وعرضه ذراعان ونصف ونصف ثمن، لكن زادوا في طوله في العمارة الحادثة بعد الحريق أرجح من نصف ثمن ذراع ونحوه في العرض [4] .
(1) نقله عن ابن النجار الفيروزابادي في المغانم المطابة في معالم طابة 2/496، والسمهودي في وفاء الوفا 2/94.
(2) وفاء الوفا 2/96.
(3) وبهذا يعلم أن ما قاله الشهري من أنهم كانوا يكتفون للدلالة على موضع المصلَّى الشريف بالمحافظة على المستوى الذي كان عليه المصلَّى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تشكّل من ذلك شبه حوض مربَّع مرخَّم... غير دقيق والله أعلم. انظر: عمارة المسجد النبوي للشهري ص 227.
(4) وفاء الوفا 2/94.