وبعد الحريق الأول الذي شب بالمسجد النبوي في رمضان من عام 654هـ اعتنى الظاهر بيبرس بالمسجد النبوي اعتناءًا كبيرًا، واهتمّ بشكل خاص بمصلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعمل له محرابًا خشبيًا وصفه السمهودي فقال [1] : «وكان في قِبْلَة المصلَّى الشريف صندوق خشب بديع الصنعة، يعلوه محراب قد أنتج الصّناع فيه نتائج مبدعة من صنعة النجارة، والمحراب المذكور شبه باب مقنطر لموضع لطيف على ظهر الصندوق المذكور، مكتوب في داخله أمام مستقبله بعد البسملة آية الكرسي، وعلى ظاهر الباب المقنطر بعد البسملة ژ ? ? ں ں ? ? ? ? ژ (البقرة: 144) .
ويبدو أن هذا المحراب هو الذي أشار إليه المطري باللوح المتقدِّم ذكره، وقد احترق هذا المحراب الخشبي في الحريق الثاني الذي شبَّ في المسجد النبوي عام 886 هـ في عهد السلطان المملوكي قايتباي.
ولما شرعوا في تجديد عمارة المسجد النبوي سنة 888هـ؛"اقتضى رأي متولي العمارة أن يخفض أرض المسجد حتى تكون مساوية للمصلى الشريف، فقطع من الأرض نحو ذراع، فكانوا يجدون طبقة من التراب وتليها طبقة من الرمل، حتى وصلوا إلى الأرض المساوية للمصلى الشريف، وحصل بذلك إزالة هذه البدعة ولله الحمد والمنة" [2] .
وبنوا مكان المحراب الذي احترق محرابًا مرخَّمًا بالرخام الملون ترخيمًا بديعًا، فيه صبغ من ذهب وغيره، وهو أبهى منظرًا من الأول.
قال السمهودي [3] : «وجعلوا أرض المحراب المذكور مرتفعة قليلًا على المصلَّى الشريف، لأنه إنما جعل في محل الصندوق الذي كان أمام المصلَّى، فليتنبّه لذلك والله أعلم» .
وكُتِب تاريخ العمارة في لوح رخامي بظهر المحراب النبوي، منقوش فيه بخط بارز في خمسة أسطر ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم ... وصلَّى الله على سيدنا محمد
(1) وفاء الوفا 2/96 - 97. وانظر: المغانم الطابة 2/476 - 477.
(2) وفاء الوفا 2/96.
(3) وفاء الوفا 2/98.