الصفحة 63 من 73

لكن لدى التأمل يظهر لنا بُعد ما ذهب إليه السمهودي رحمه الله، فهذه الأسطوانة على ما اتضح لنا سابقًا لم تكن في العهد النبوي حتى يتحرى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة إليها، وعلى فرض وجودها يبعد أن يتحرى - صلى الله عليه وسلم - الصلاة إليها وهي ملاصقة لمحرابه الشريف، ثم من أين للسمهودي الاتفاق على كون أسطوانة السيدة عائشة ليست علمًا على المصلى الشريف؟ أليست هي إحدى الأسطوانات التي اتخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - مصلى له عندما حولت القبلة؟ فهي إذًا علم على المصلى الأول للنبي - صلى الله عليه وسلم - . وما ذهب إليه الحافظان ابن حجر والعيني وغيرهما دليل على نقض هذا الاتفاق، إن لم نقل ترجيح لكون أسطوانة عائشة هي عَلَمٌ أيضًا على المصلى الشريف وهي المرادة في هذا الحديث؟

وما نقله السمهودي رحمه الله من الاتفاق على كون الصندوق المذكور في حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - هو الواقع قرب الأسطوانة التي جعلت علمًا على المصلى الشريف غير مسلَّم، إذ التسليم له بذلك تجهيل لكل العلماء الذين خالفوا السمهودي في هذه المسألة، وفيهم أعلام المؤرخين والمحدثين. ثم لا نجد من نقل هذا الاتفاق قبل السمهودي، معظم المصادر التاريخية والحديثية قبل السمهودي التي أوردت حديث سلمة - رضي الله عنه - لم تذهب إلى ما ذهب إليه، وعلى فرض أن الاتفاق حاصل؛ فلا يسلَّم له أن المراد بالأسطوانة المذكورة في الحديث هي الأسطوانة المخلقة التي أشار إليها؛ لأن ألفاظ حديث سلمة ليست نصًا في المراد، ففي البخاري [1] ومسلم [2] والبيهقي [3] (...فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف...) ، وفي رواية لمسلم [4] (...أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه...) .

(1) 1/189، باب الصلاة إلى الأسطوانة.

(2) 1/364، باب دنو المصلي من السترة.

(3) 2/271، باب الصلاة إلى الأسطوانة/ 5/247، باب في أسطوانة التوبة.

(4) 1/364، الباب السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت