الصفحة 1074 من 1416

وهناك صفحة أخرى يا رعاكم الله، في معاملاته لأصحابه وأهل بيته وزوجاته، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا» . [1] .

وهكذا في سياسة الدولة الإسلامية وفي عبادته لربه، وفي نفقته وبذله، وفي قوته وجهاده، وحرصه على أداء رسالة الله وتبليغ دعوة ربه تبارك وتعالى.

وهذا أنموذج على حكمته في الدعوة، ورفقه بالمدعوين ورحمته بالناس، مسلمين وغير مسلمين، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] ، ومراعاته لحقوق الإنسان، بل ورفقه حتى بالحيوان، في وقت تتغنى فيه حضارة اليوم بدوس كرامة الإنسان ورعاية أحطِّ حيوان، فالله المستعان.

ويتجلى هذا الأنموذج الرائع في قصة الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد، حين نهره الصحابة رضي الله عنهم، فقال: (( دعوه، لا تزرموه ) )، أي: لا تنهروه، فقال لهم: (( إنما بُعثتم مبشرين، ولم تبعثوا معسرين ) )وأرشده برفق وحكمه، وكانت النتيجة أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. متفق عليه [2] .

وفي قصة ثمامة بن أثال حينما أُسر ورُبط بسارية المسجد وهو مشرك وسيد قومه عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ» . فَقَالَ عِنْدِى خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِى تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ» . قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ» . فَقَالَ عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ

(1) - سنن الترمذى (1195) صحيح

(2) - أخرجه البخاري في الوضوء (220) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مختصرا، ومسلم في الطهارة (285) من حديث أنس رضي الله عنه، وليس في الحديثين 215/ 5قول الأعرابي، وإنما أخرجه البخاري في الأدب (6010) عن أبي هريرة مفردا من غير ذكر القصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت