ثالثا: تطور دراسة السيرة النبوية عبر العصور .. والذي يهمنا في هذا المقام إبراز أهم المراحل التي تمثل منعطفات أو ركائز أساسية في دراسة ورواية السيرة النبوية ونستطيع تلخيص هذه المراحل في (12) :
1 -مرحلة الرواية .. إن معظم دراسات السيرة تركز على مرحلة التجميع باعتبارها المرحلة الأولى من مراحل دراسة السيرة النبوية، غير أنني ألفت النظر أن التجميع إنما قام ويقوم على الرواية في المقام الأول، ولذا فإن المرحلة الأولى من مراحل دراسة السيرة النبوية كانت مرحلة رواية الأحداث والتي بدأها الصحابة رضوان الله عليهم من رواة الأحاديث النبوية وهي الأحاديث التي تتناول المواقف والأحداث وهي التي تبدأ عادة بمثل قولهم: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ويلحق بذلك تميم الداري الذي أجلسه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله يقص على الناس يوما في الأسبوع فلما كانت خلافة عثمان بن عفان سمح له بيومين .. وكان ذلك بلا شك في العشرين سنة التالية لوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ..
2 -مرحلة التجميع وهي التي قام عليها عروة بن الزبير وابان بن عثمان بن عفان ووهب بن منبه وشرحبيل بن سعد وبن شهاب الزهري
3 -مرحلة التدوين ومثلها محمد بن اسحاق المتوفي عام 152 هـ
4 -مرحلة التوثيق والتنقيح والتهذيب ومثلها بن هشام الذي هذب كتاب بن إسحاق وأخرجه لنا في واحد من أهم المصادر القديمة للسيرة النبوية على الإطلاق (سيرة بن هشام)
5 -مرحلة المستشرقين وتلاميذهم، وهي منعطف خطير في تناول السيرة النبوية بدأ من النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميلاديا لخطورة فهم هؤلاء وخطورة منهجهم الذي اعتمد ما يعرف بالمنهج الذاتي في تناول التاريخ وهو منهج يقدم ذاتية الكاتب عن وثائقية الوقائع، بل يكاد يهمل علوم التوثيق جملة وتفصيلا وهي المرحلة التي أخرجت لنا مفهوم العبقرية المحمدية، وبثت شكوكا حول العلاقات الأخوية المتميزة بين الصحابة رضوان الله عليهم، والتي شككت كذلك في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - الحسية المختلفة الثابتة بطرق الثبوت الإسلامية المختلفة ..