الصفحة 53 من 1416

هذا التقدم الحضري الذي سبق البعثة يذكرنا بالبيئات التي بعث بها الرسل من قبل , والتي كانت تتميز بكونها مجتمعات حضرية متقدمة , وربما بلغت شأوًا في العلم والتقدم المادي، هذا الجانب المادي عندما يطغى على الجانب الأخلاقي يسود الظلم , ويصل بالمجتمع إلى مأزق روحي، فيأتي التدخل الإلهي عبر إرسال الأنبياء لتصحيح مسيرة الناس , وردهم إلى فطرتهم , والإيمان بالله الذي يقتضي العدل , وإعارة الجانب الروحي من حياة الإنسان حقه، فالتقدم المادي لا يستلزم رقيًا دينيًا أو روحيًا , بل ربما كان عائقًا أمام انتشار القيم والمثل التي يحافظ عليها قلة في المجتمع، وهذا ما كان عليه حال المجتمع الذي سبق بعثة الرسول.

فمن العادات الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك العصر التمييز ضد المرأة المتمثل في مختلف الجوانب المتعلقة بها من طرق النكاح والطلاق إلى الإرث والوأد، وإن كانت هناك شريحة من النساء في نفس المجتمع تأخذ دورًا اجتماعيًا متميزًا ينافس الرجل كالتجارة , والمشاركة في الدفاع عن المجتمع وقيمه، وقد حكى القرآن مناهضة نماذج من نساء ذلك العصر الدعوةَ الجديدة وإيذائهن الرسول (46) .

وهذا التفاوت في دور المرأة المتراوح بين كونها سبَّة وعارًا ومتاعًا , وبين ممارستها لدور قيادي في المجتمع يحمل إحدى دلالتين: إما تنوع الموقف من المرأة واختلافه بين الحضر والبدو , أو بين القبائل , أو بين المناطق , أو بين أصناف من النساء في المجتمع الواحد , وقد حكى القرآن جميع الصور التي كانت موجودة بإجمال دون تفصيل , مع تقويمها وتصحيحها , ودعم ما هو صواب وإيجابي منها.

والدلالة الثانية المحتملة أن المرأة كانت تتعامل مع تلك القيم التي تضطهدها على أنها أمر واقع وقانون اجتماعي ينبغي الرضا به وقبوله دون أن يمنعها من ممارسة دور ما يسمح به المجتمع، وهذه العادات المتعلقة بالأحوال الشخصية والعلاقة مع المرأة إنما هي عادات اجتماعية لا ترتبط بالدين الجاهلي إلا في بعض الجوانب منها , سنشير إليها لاحقًا.

الجانب الآخر الذي كان سائدًا من العادات , والذي كان يحمل أكثر من وجه من الناحية القيمية هو ظاهرة الولاء والعصبية بين أفراد القبيلة ومن يدخل في حلفهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت