الصفحة 54 من 1416

وكان هذا الجانب يمثل رابطة العقد السياسي الذي ينظم المجتمع , ويقوده ويضمن فيه الأمن والحفاظ على الحوزة ووحدة القبيلة، وقد أورثت هذه العادة بعض الجوانب الإيجابية التي استثمرها الإسلام ورعاها مثل: التآلف والتآزر ومساعدة الضعيف والجوار ..

لكن الجانب الخطير لهذه العادات هو ما تورثه العصبية العمياء من ظلم واعتداء وسفك للدماء , وذلك بالثأر ومناصرة القبيلة , سواء كانت على حق أو باطل، فجاء الإسلام يصحح هذه المظاهر ويقومها (47)

إضافة إلى هذه العادات كانت ظاهرة الطبقية والرق منتشرة عندهم، لكن العتق كان مكرمة يمتدح بها ممارسوها , وقد حارب الإسلام هذه الظاهرة , وشجع على مكرمة العتق التي كانت منتشرة كفضيلة بين الناس (48) .

هذه هي أهم العادات التي كانت سائدة , أوردنا مجملها من غير تفصيل؛ لأن تفاصيلها كثيرة وما أحلنا عليه من مراجع يغني عن التكرار, إنما أردنا الإشارة إلى الطابع المزدوج من الناحية القيمية لهذه العادات، وكيف تعامل القرآن معها مستثمرًا الإيجابي منها , ومصححًا للجانب المظلم منها، وهذا المسلك القرآني مع العادات سيتكرر مع الجانب الديني الذي سنتناوله في الفقرة التالية.

2 -الفكر الديني قبل البعثة:

تطالعنا آيات القرآن بأسماء أديان كانت معروفة ومتداولة لها معتنقوها في ذلك العصر وهم: اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والمشركون (49) ، وقد كان لهذه الأديان حضور وتواصل بين أتباعها، مما يجعل من الطبيعي أن يكون بينهم حوار وتأثر متبادل، وسنعرِّف بكل فريق منهم في إطاره الزماني والمكاني.

اليهود والنصارى: أشرنا قبل قليل إلى وجود جالية من اليهود والنصارى في مكة، وكان لهم حضور أكبر في المدينة، وقد اعتنق بعض العرب النصرانية، وكان لبعضهم مكانة متميزة في المجتمع، وكانت تجري بينهم وبين المشركين حوارات وجدل في قضايا مختلفة، وقد تأثر بهم العرب , وتعلموا منهم بعض الفنون والقصص وأخبار الأنبياء والأمم الغابرة , فكان لعلمهم بالكتاب تميز على العرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت