فهرس الكتاب
هذه التفاصيل القرآنية التي أوردناها حول المجتمع العربي قبل الإسلام لاسيما فيما يخص الجانب الديني تدل على أن العرب لم يكونوا متفقين على عبادة موحدة , ولم يكونوا يعبدون إلهًا واحدًا أو أصنامًا معينة , كما لم يكونوا جميعًا على سوية واحدة في التفكير الديني، فلم يكن الانحطاط الديني عامًا للجميع (104) ، فقد كانت الجزيرة العربية تمثل اختزالًا لما كان يسود الكون من أفكار وأديان في العالم آنذاك , وذلك ما أهَّلها لتكون مهدًا لرسالة عالمية تخاطب العالم , وتخرج من وسط تجمُّع له صلة بما يسود الفكر الديني في عصرها.
هذه المقاربة إن بدت موغلة في التاريخ فإن جوهرها وما طرحته من رؤية حول تلك الفترة له صلة بحاضر العالم اليوم، فلئن ساد في الفكر الإحيائي في القرن الماضي وصف العالم بالجاهلية، وبدا ذلك متناقضًا من ناحيتين: المفارقة في المقارنة بين زمنين مختلفين ومفارقة مضمون المفهوم، فإن ما تفيده مقاربتنا أن الإنسان أحوج ما يكون للدين عندما يكون متقدمًا وعالمًا ومتطورًا، والأنبياء إنما كانوا يبعثون في بيئة حضرية متقدمة، والقيم الأخلاقية يحتاجها الغني أكثر من الفقير , والقوي أكثر من الضعيف.
لذلك فإن عالم اليوم المتقدم والدول المتعملقة على أكتاف الضعفاء إنما تحتاج إلى بعث جديد يحيي فيها قيم االإنسانية التي جاء بها الأنبياء , ويفتح أفق الإنسان لتصحيح التاريخ وتوجيهه نحو التي هي أقوم, كما وجهته الرسالة الخاتمة عندما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - في أم القرى، فتحول الكون إلى قرية اليوم يشبه أحوال مكة أم القرى عند البعثة , حيث امتزاج الأفكار والأديان والأعراق ومحوريتها بين القرى.
ويبقى التاريخ مصدرًا حضاريًا وملهمًا أساسيًا لمن يبتغي رؤية المستقبل رؤية بعيدة، فحاضر اليوم"وَلَنْ تَجِد لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا"ليس إلا نتيجة ما فعل بالأمس , والغد ليس إلا نتيجة ما نفعله اليوم.
المصدر: الملتقى الفكري للإبداع
الإحالات: