فهرس الكتاب
معايير وضوابط لقبول الأخبار التاريخية
قد تحدث كثير من المؤرخين والعلماء وطلبة العلم والمثقفين في عصرنا الحاضر عن ضرورة غربلة الأخبار التاريخية، ووضع ضوابط لقبول الخبر.
وذهب بعضهم بعيدًا إلى الحد الذي جعله ينادي بوجوب معاملة هذه الأخبار كما تعامل الأحاديث والآثار من حيث القبول والرد، وألف بعضهم كتبًا في السيرة النبوية الشريفة لا تحوي إلا صحاح الأخبار بمقاييس المحدثين التي وضعوها لقبول الأحاديث والآثار، ولقد أدى صنيعهم هذا إلى اختفاء كم كبير من أخبار النبي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم، وصارت السيرة الشريفة كأنها مبتورة في بعض مواضعها من حيث التفصيل ودقائق الأخبار، فما هي الطريقة المرضية التي أراها في هذا الباب المهم؟
أبدأ فأقول: إن السلف رضي الله عنهم: أئمتهم وعلمائهم ومشايخهم وفضلاؤهم قد قبلوا كتب السيرة والتواريخ التي وضعها الثقات في زمانهم وتداولوها وارتضوها، ولم أسمع أن واحدًا منهم طعن فيها، فها هي سيرة ابن إسحاق على سبيل المثال - وتهذيبها على يد ابن هشام متداول بيننا اليوم مشهور - مليئة بالأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضي الله عنهم وفيها عدد ليس بالقليل مما يعده علماء الحديث بمقاييسهم ضعيفًا لكن السلف تلقوها بالقبول وارتضوها، فمالنا اليوم لا نقبل ما قبله سلفنا رضي الله عنهم، ولو تجاوزنا زمان السيرة إلى زمان الصحابة والتابعين وتابعيهم والقرون الثلاثة المفضلة وما بعدها، وأردنا أن نقيس أخبار أولئك بمقاييس المحدثين الدقيقة لضاع أكثر من شطر تلك الأخبار، ولخسرنا كثيرًا من قصص العظماء في بطولاتهم، وزهدهم وجهادهم، وتضحيتهم، وهمتهم العالية ودأبهم، فالذي أراه باختصار هو التالي:
أولًا: النظر في حال مصنفي الكتب التاريخية، فإن كانوا من ثقات أهل السنة قبلنا ما في هذه الكتب قبولًا أوليًا لا يمنع من النظر فيها بعد ذلك بما سأذكره، وأعني بثقات المؤرخين من كان مثل ابن سعد في طبقاته، والذهبي الإمام في سيره، وابن كثير في بدايته ونهايته، وهكذا ...