الصفحة 90 من 1416

ثانيًا: بعد القبول الأولي ينظر في حال هذه الأخبار، فإن كانت أخبارًا للسلف والخلف تتناول زهدهم، وشجاعتهم، وكرمهم، وجهادهم، وتضحيتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحسن خلقهم، وجمال طبائعهم، ولطافة سجاياهم ولم تكن هذه الأخبار خارجة عن الأصول العامة للشريعة، ولا هي مما تأباه الفطرة السوية فما المانع من قبولها حتى لو وردت بسند ضعيف أو أنها لم ترد بسند أصلًا؟! وما هو الأمر المحذور الذي يُخش من وقوعه إذا قبلنا مثل هذه الأخبار؟!

وإن كانت تلك الأخبار تتناول الفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم، أو فيها شيء من المخالف لأصول الشريعة الشريفة، أو أنها مما تمجها وتأباها الفطرة السوية فإنها تطوى ولا تروى، ولا تحاكم إلى شيء، وليس بنا ولله الحمد ضرورة تدعو إلى قبول مثل هذا، ولقد أطبق السلف الصالح ومن تبعهم من الخلف على السكوت مما شجر بين الصحابة من الفتن، بل جعلها بعضهم من علامات العقيدة الصحيحة، والإيمان العميق، وهذا أمر حسن مقبول، ونعم ما صنعوا عليهم رحمة الله ورضوانه.

ثالثًا: بقي علينا ما ألفه الضعفاء والمتهمون من أمثال اليعقوبي والمسعودي، وما جاء في تاريخ الطبري من الطوام فهذا لا بد من النظر فيه نظرًا دقيقًا، واتهام ما جاء فيه ومحاكمته محاكمة عادلة، وذلك لأن الأولين مالا نحو التشيع والرفض، والطبري مال إلى التساهل في قبول الأخبار التي لا تقبل بدعوى أنه أوردها بالسند فيا ليته لم يصنع هذا ولم يرتضه، والذي أراه - والله أعلم - أن يكتفى بما ورد في كتب ثقات المؤرخين ففيها الغنية عن مثل هذا، فإن وجد أن هنا بعض الأخبار المهمة في كتب نحو المسعودي واليعقوبي وما جاء في تاريخ الطبري وأن هذه الأخبار تفيد المسلمين في دينهم ودنياهم عوملت على حسب ما جاء في الفقرة الثانية من التفريق بين أخبار الزهد ومثيلاتها فتقبل وبين الأخبار التي تتعلق بالأحكام أو الفتن فتمحص على حسب القواعد الحديثية في قبول الأخبار.

أما كتب المؤرخين المتأخرين مثل السخاوي وابن إياس، والعماد الحنبلي، ونجم الدين الغزي، والمحبي، والمرادي، ففيها ما هو مقبول وما هو مردود بالنسبة لأخبار أعصارهم وأمصارهم، وتفتقر إلى تحقيق وتمحيص، ونظر مدقق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت