الصفحة 140 من 159

يأخذون الأمور بسطحية شديدة , فبنوا نتائجهم على مقدمات ساذجة, فهم حينما قالوا بأن مرتكب الكبيرة كافر وقعوا في ورطة كبيرة جرتهم إلى أن يقعوا في أخطاء أكبر, وكل خطأ كانوا يقعون فيه كان يؤدي بهم إلى واد سحيق من الضلال بسبب عنادهم وتماديهم في الباطل.

ولقد جاء طعنهم في الصحابة - رضي الله عنهم - نتيجة خطأ بسيط في فهم آية من كتاب الله {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [1] .

ففي قضية التحكيم رأوا أن اللجوء إلى التحاكم إلى كتاب الله عن طريق الناس هو حكم بغير ما أنزل الله, وهو مستلزم للكفر, لهذا كفروا عليًا ومعاوية والحكمين: أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهم ولو أنابوا إلى رشدهم واستمعوا إلى صوت العقل لكان خيرًا لهم ولأمتهم لكن تنطعهم الشديد كان له الأثر السيئ عليهم , فقد كان هذا التشدد معول هدم يفت في عضدهم فترى الفرقة منهم بعد أن تثار أي مسألة مهما تكن بسيطة قد انقسمت على نفسها وهكذا حتى ترى منهم فرقتين تعترف أحدهما للأخرى بالصواب والهداية.

وبعد أن أكفر عامة الخوارج قسمًا من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متهمين إياهم بالحكم بغير ما أنزل الله نرى قسمًا منهم قد وجه تهمة أخرى إلى الصحابة - رضي الله عنهم - كلهم وهي تهمة تحريف القرآن الكريم. فالعجاردة الذين تحدثنا عنهم آنفًا قالوا: (ليست سورة يوسف من القرآن ولا حا ميم عين سين قاف) [2] وهذا الكلام لم يتناول الصحابة - رضي الله عنهم - مباشرة إلا أن فيه طعنًا ضمنيًا لهم لأنهم هم الذين تُرك القرآن بين أيديهم فأي تحرف يقع له يكون الصحابة - رضي الله عنهم - هم المتهمين به.

وقد أدرك الأوائل من علماء الأمة خطورة هذه الآراء فحكموا بكفر من قال منهم ذلك.

يقول أبو المظفر الاسفراييني: (والكفر لا محالة لازم لهم لتكفيرهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [3] . ونحن لا نوافق البغدادي حين يدخل الخوارج جميعًا في حضيرة

(1) سورة الأنعام: 57.

(2) البدء والتاريخ, المقدسي: 5/ 135 , تاريخ المذاهب الإسلامية: 92.

(3) التبصير في الدين: 26

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت