وأنا لا أقول: إنه لا يدرك العلم إلا بالتلقي من المشايخ ، فقد يدرك الإنسان بالقراءة والمطالعة ، لكن الغالب أنه إذا ما أكب إكبابا تاما ليلا ونهارا ، ورزق الفهم فإنه قد يخطئ كثيرا ، ولهذا يقال: من كان دليله كتابه ، فخطئه أكثر من صوابه ، ولكن ليس هذا على الإطلاق في الحقيقة .
ولكن الطريقة المثلى أن يتلقى العلم على المشايخ . [1]
وقال رحمه الله: ولنيل العلم طريقان:
أحدهما: أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها ، والتي ألفها علماء معروفون بعلمهم، وأمانتهم ، وسلامة عقيدتهم من البدع والخرافات ، وأخذ العلم من بطون الكتب لا بد ان الإنسان يصل فيه إلى غاية ما ، لكن هناك عقبتان:
العقبة الأولى: الطول في أن الإنسان يحتاج إلى وقت طويل ومعاناة شديدة ، وجهد جهيد حتى يصل إلى ما يرومه من العلم ، وهذه عقبة قد لا يقوى عليها كثير من الناس ، لا سيما وهو يرى من حوله قد أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة ، فيأخذه الكسل، ويكل ، ويمل ، ثم لا يدرك مايريد.
العقبة الثانية: أن الذي يأخذ العلم من بطون الكتب علمه ضعيف ، لا ينبني عليه قواعد أو أصول، ولذلك نجد الخطأ الكثير من الذي يأخذ العلم من بطون الكتب ، لأنه ليس له قواعد وأصول يقعد عليها ، ويبني عليها الجزئيات التي في الكتاب والسنة ، نجد بعض الناس يمر بحديث ليس مذكورا في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح والمسانيد ، وهذا الطريق يخالف ما في هذه الأصول المعتمدة عند أهل العلم بل عند الأمة، ثم يأخذ بهذا الحديث ويبني عقيدته عليه ، وهذا لا شك أنه خطأ ، لأن الكتاب والسنة لهما أصول تدور عليها الجزئيات ، فلا بد أن ترد هذه الجزئيات إلى أصول ، بحيث إذا وجدنا في هذه الجزئيات شيئا مخالفا لهذه الأصول مخالفة لا يمكن الجمع فيها ، فإننا ندع هذه الجزئيات .
(1) - كتاب العلم 60.