فهرس الكتاب
فلا يعذر الرجل بحال عن ترك الجماعة، و لهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"فقيل له: ياأمير المؤمنين! ومن جار المسجد؟ قال:"من سمع النداء"، وقال أيضًا رضي الله عنه:"من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا بالعذر".
واجتمع قول ابن عباس وابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهم أنهم قالوا:"من سمع المنادي ثم لم يجبه من غير عذر فلا صلاة له".
واعلم أيها المسلم أن التخلف عن الصلاة أي صلاة الجماعة علامة من علامات النفاق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فهيما لأتوهما ولو حبوًا" [أخرجه البخاري] .
أي يعلمون ما فيها من الأجر العظيم والخير العميم ما تخلف عنها صحيح مقيم بلا عذر، بل لأتوهما ولو حبوًا على الركب. ولقد جاء التهديد والتخويف والنذير لمن تخلف عن الصلاة في جماعة في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا أن يؤم الناس ثم أنطلق برجال معي معهم حزم من حطب إلى أناس لا يشهدون الصلاة، فاحرق عليهم بيوتهم" [متفق عليه] .
وفي رواية الأمام أحمد:"لولا ما فيهما من النساء والصبيان"ومعلوم أن الحرق لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، وهل هناك أكبر من أن يفقد الإنسان الصلة التي تربطه بربه سبحانه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم فأحرق عليهم" [صححه الألباني في سنن أبي داود] .
ويقول ابن مسعود رضي الله عنه:"من سره أن يلقى الله مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وأنهن من سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق" [أخرجه مسلم] .
وقال ابن عمر رضي الله عنهما:"كنا إذا فقدنا الرجل عن صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن"، وقال عطاء وهو أحد التابعين:"كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلا منافق".
فهل بعد هذه الأدلة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، هل بعد ذلك يتخلف مسلم صادق في إسلامه عن الصلاة؟ لا أظن ذلك ولكن الشيطان له مداخل يدخلها
على العبد حتى يلبس عليه ويهون عليه أمر الصلاة فيتخلف عنها أو يتركها بالكلية نسأل الله السلامة.
ما يترتب على ترك الصلاة:
ترك الصلاة يترتب عليه عدة أمور، كل أمر شر من الآخر، وأعظم منه خطرًا، وأشد منه فتكًا بصاحبه، فمن هذه الأمور:
(1) الاستهتار بأوامر الله تعالى:
إن تارك الصلاة مستهتر بالله وبأوامره، ومعاند ومكابر، فهو يريد غضب الله وعقابه، ويبتعد عن رحمته ومغفرته، فترك الصلاة خروج عن أدلة الكتاب والسنة الصحيحة وأقوال العلماء العاملين الذين هم ورثة الأنبياء، وفي الاستهزاء بأوامر الدين كفر صريح مخرج من ملة الإسلام، ثم أنت يامن تترك الصلاة، تتركها عنادًا وتكبرًا على الله، أتحسب أن الله لا يقدر على عذابك؟ أم تحسب أنك ستخلد في هذه الحياة الدنيا؟ أم تحسب أن ملك الموت سيستأذنك لقبض روحك؟ فالله قادر على عذابك أنت ومن في الأرض جميعًا ولكنه يمهل للظالم لعله أن يتوب ويرجع إليه سبحانه، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} " [هود 102، والحديث متفق عليه] ."
أتدري من تعصي أيها العاصي؟ إنك تعصي جبّار السموات والأرض، الذي قال سبحانه: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربًا} [الجن 12] .
والقائل سبحانه: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر 14] .
فاي عمل سينقذك من ربك سبحانه، والله لو بقيت الليل والنهار ساجدًا لله تعالى ما أديت حق شكر هذه النعم التي بين يديك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجوا أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدري ما يفعل الله به ولقد كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، فتقول له عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، مشفقة عليه"ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"فيرد قائلًا:"أفلا أكون عبدًا شكورًا".